سبتة ومليلية المحتلتين: السيادة المغربية ليست موضوعا للمجاملة الدبلوماسية
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري — باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
ليست سبتة ومليلية المحتلتين مجرد مدينتين على ضفاف الجغرافيا، ولا ملفا تاريخيا يمكن تأجيله كلما اقتضت المصالح الدبلوماسية ذلك؛ إنهما جزء من قضية سيادية وطنية يظل الموقف المغربي بشأنها واضحا من حيث المبدأ، وثابتا في جوهره، مهما اختلفت الظروف السياسية وتبدلت موازين المصالح. فالمغرب، بما له من حق في الدفاع عن وحدته الترابية وصيانة ذاكرته التاريخية، لا يمكنه أن يتعامل مع استمرار الاحتلال الإسباني لهاتين المدينتين باعتباره أمرا نهائيا خارج دائرة النقاش، ولا أن يسمح بتحويل واقع قائم بفعل التاريخ والقوة إلى حقيقة سياسية لا تقبل المراجعة.
إن وضوح الموقف المغربي لا يتعارض مع الحكمة الدبلوماسية، كما أن التمسك بالسيادة لا يعني الانزلاق إلى التصعيد أو التفريط في منطق الحوار. فالدولة الواثقة من حقوقها لا تحتاج إلى رفع سقف الخطاب في كل مناسبة كي تثبت موقفها، لكنها لا تقبل، في المقابل، أن يصبح الهدوء الدبلوماسي مرادفا للصمت، أو أن تتحول الشراكة مع إسبانيا إلى مبرر لتهميش ملف يمس وحدة التراب الوطني. ومن هنا، فإن الدفاع عن مغربية سبتة ومليلية المحتلتين يقتضي الجمع بين الثبات في المبدأ، والوضوح في التعبير، والواقعية في تدبير العلاقات الثنائية.
وقد أعادت زيارة العاهل الإسباني فيليبي السادس إلى سبتة يوم 13 أكتوبر، ثم إلى مليلية يوم 14 أكتوبر 2026، هذا الملف إلى واجهة النقاش السياسي والإعلامي. فالزيارة، بما تحمله من دلالات رمزية وسيادية من الجانب الإسباني، لا تغير من حقيقة أن المغرب لا يعترف بالسيادة الإسبانية على المدينتين، ولا تلغي حقه في التمسك بموقفه الوطني. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكمن الحكمة في تجاهل الرسائل السياسية التي تحملها الزيارات الرسمية، بل في قراءتها بوعي، وتأكيد الموقف المغربي بوضوح ومسؤولية، بعيدا عن ردود الفعل الانفعالية التي قد تخدم الحسابات الإعلامية أكثر مما تخدم المصالح الوطنية.
إن العلاقات المغربية الإسبانية أوسع من أن تختزل في ملف واحد، لكنها لا يمكن أن تكون متوازنة على نحو كامل إذا ظل أحد الملفات السيادية الحساسة محكوما بمنطق الأمر الواقع وحده. فالتعاون الاقتصادي والأمني، وتدبير الهجرة، والتنسيق في القضايا الإقليمية، كلها مصالح مشتركة تستحق الحماية والتطوير؛ غير أن المصالح المتبادلة لا تقتضي التخلي عن القضايا الوطنية، بل تفرض تدبير الخلاف بشأنها بقدر أكبر من النضج والاحترام المتبادل. والمطلوب ليس تحويل العلاقة مع إسبانيا إلى مواجهة مفتوحة، وإنما منع الشراكة من أن تصبح غطاء لتجميد النقاش حول سبتة ومليلية المحتلتين.
ومن هذا المنظور، تكتسب مضامين الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية يوم 9 أكتوبر 2026 أهمية سياسية ومؤسساتية. فالخطاب لم يتناول سبتة ومليلية المحتلتين بشكل مباشر، لكن تأكيده على المسؤولية السياسية، والوفاء بالالتزامات تجاه المواطنين، وتعزيز مكانة المغرب الاقتصادية، وتحقيق التوازن بين النمو والعدالة الاجتماعية والمجالية، يضع أمام المؤسسات الوطنية مسؤولية ترسيخ دولة قوية في أدائها، واضحة في أولوياتها، ومتماسكة في دفاعها عن مصالحها الاستراتيجية.
فالقضايا السيادية لا تُدار بالخطاب وحده، وإنما تحتاج إلى رؤية وطنية متكاملة، وإلى مؤسسات قادرة على إنتاج المعرفة التاريخية والقانونية، وصياغة المواقف الدبلوماسية، ومواكبة التحولات الأوروبية والإقليمية. كما تحتاج إلى نقاش عمومي مسؤول يشرح أبعاد القضية للأجيال الجديدة، ويحول الذاكرة الوطنية من مجرد استحضار للماضي إلى وعي سياسي وقانوني قادر على قراءة الحاضر واستشراف المستقبل.
وإذا كان المغرب قد اختار، في علاقاته الدولية، نهج الحوار وبناء الشراكات، فإن هذا الخيار لا ينتقص من حقوقه، بل ينبغي أن يعزز قدرته على الدفاع عنها. فالدبلوماسية الناجحة ليست التي تتجنب الملفات الصعبة إلى أجل غير مسمى، وإنما التي تعرف كيف تضعها على الطاولة، وتحافظ على المصالح المشتركة، وتمنع الخلاف من التحول إلى قطيعة، من دون أن تتنازل عن جوهر الموقف الوطني.
إن سبتة ومليلية المحتلتين ليستا تفصيلا عابرا في العلاقات المغربية الإسبانية، ولا قضية ينبغي أن تطويها اعتبارات الظرفية السياسية. إنهما ملف سيادي يتطلب وضوحا في الموقف، وحكمة في الوسائل، ونفسا استراتيجيا طويلا. وبين ثبات المغرب على حقوقه وحرصه على شراكة متوازنة مع إسبانيا، تظل القاعدة واضحة: الحوار لا يعني التنازل، والشراكة لا تعني الصمت، وحسن الجوار لا يقتضي التخلي عن الحق.
اجعل العنوان أكثر حسمًا وطنيااربط الخطاب الملكي بالموقف مباشرةاستبدل التكرار بحجج أقوى