شباب اليوم: طموح بلا يقين
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
ربما لم يكن هناك جيل يملك كل هذا القدر من الطموح مثل جيل اليوم. شباب يفكر في النجاح مبكرا، يحلم ببناء مشروعه الخاص، يسعى لتطوير نفسه، ويتابع ما يجري في العالم لحظة بلحظة. جيل يرفض الاستسلام، ويحاول أن يجد مكانه وسط عالم سريع ومتغير. لكن، في المقابل، ربما لم يكن هناك أيضا جيل يعيش كل هذا القلق وعدم اليقين.
المفارقة أن الشباب اليوم يملك إمكانيات لم تكن متاحة من قبل: المعرفة في متناول الجميع، والتكنولوجيا فتحت أبوابا واسعة للتعلم والتواصل والعمل. ومع ذلك، يظل الإحساس بعدم الاستقرار حاضرا بقوة. فكلما اتسعت الأحلام، ازداد الخوف من الفشل، وكلما كثرت الخيارات، أصبح الطريق أكثر غموضًا.
هذا الجيل يعيش تحت ضغط مستمر. ضغط النجاح، وضغط المقارنة، وضغط إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي زادت هذا الشعور تعقيدا، حين جعلت الناس يقارنون حياتهم يوميًا بصور الآخرين وإنجازاتهم، حتى أصبح البعض يشعر أنه متأخر، فقط لأنه لم يصل بسرعة إلى ما يراه على الشاشة.
وفي الواقع، ليست المشكلة في غياب الطموح، بل في غياب اليقين. فالشاب اليوم لا يخاف فقط من الفشل، بل من المستقبل نفسه. يدرس دون ضمان، ويعمل أحيانا دون استقرار، ويحاول التخطيط لحياته وسط عالم يتغير بسرعة أكبر من قدرته على الفهم.
كما أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية زادت من هذا الإحساس. فالحصول على وظيفة مستقرة أصبح أكثر صعوبة، وبناء حياة مستقلة يحتاج إلى مجهود مضاعف، بينما ترتفع التوقعات والضغوط من كل اتجاه. وهو ما يجعل كثيرا من الشباب يعيشون حالة من التوتر الصامت، حتى وهم يبدون طبيعيين في الخارج.
لكن، رغم كل ذلك، يظل هذا الجيل يحمل شيئا مهما: الرغبة في التغيير. وهذه الرغبة، إذا وجهت بشكل صحيح، يمكن أن تتحول إلى قوة حقيقية. لأن النجاح لا يأتي فقط من السرعة، ولا من كثرة الظهور، بل من القدرة على الاستمرار، والتوازن، وبناء الذات خطوة خطوة.
الشباب اليوم لا يحتاج فقط إلى النصائح، بل إلى بيئة تمنحه الثقة والأمل وفرصا حقيقية. يحتاج إلى من يفهم قلقه بدل السخرية منه، وإلى خطاب واقعي يعترف بصعوبة المرحلة دون أن يقتل الحلم.
في النهاية، قد يكون أخطر ما يواجهه الشباب اليوم ليس الفشل، بل فقدان المعنى. لأن الإنسان يستطيع أن يتحمل التعب، لكنه لا يستطيع أن يعيش طويلا دون أمل واضح.
فهل ننجح في منح هذا الجيل الثقة التي يحتاجها؟ أم سنتركه يواجه طموحه الكبير… بقلق أكبر؟