كثرة الكلام… وقلة المعنى: ماذا يحدث للنقاش العمومي في المغرب؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

لم يسبق أن كان النقاش حاضرا في المغرب كما هو اليوم. في المقاهي، على المنصات الرقمية، في البرامج الإعلامية، وفي الفضاءات العامة، الكل يتحدث، الكل يعلق، والكل يعبر. لكن وسط هذا الزخم، يبرز سؤال مقلق: هل ما زال هذا النقاش ينتج فهما حقيقيا، أم أنه تحول إلى مجرد ضجيج؟

في الظاهر، يبدو أن تعدد الآراء مؤشر صحي، ودليل على حيوية المجتمع. غير أن التمعن في طبيعة هذا النقاش يكشف تحولا تدريجيا من الحوار إلى الصراع، ومن تبادل الأفكار إلى تبادل الاتهامات. لم يعد الهدف دائما هو الفهم أو الإقناع، بل في كثير من الأحيان، الانتصار للرأي، ولو على حساب الحقيقة.

المفارقة أن حجم النقاش اتسع، لكن عمقه تراجع. كثرة التعليقات لا تعني بالضرورة جودة في التحليل، وسرعة التفاعل لا تعني دقة في الفهم. وهنا يكمن الخلل: حين يصبح التعبير أسهل من التفكير، ويتحول الرأي إلى رد فعل، يفقد النقاش قيمته.

ولا يمكن فصل هذا التحول عن دور بعض وسائل الإعلام، التي ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في تغليب منطق الإثارة على حساب التحليل. فبدل أن يكون النقاش وسيلة للتنوير، أصبح أحيانا وسيلة لجلب الانتباه، ولو عبر المواضيع السطحية أو الصدامية.

كما تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورا مزدوجا في هذا السياق. فهي من جهة فتحت المجال أمام الجميع للتعبير، لكنها من جهة أخرى ساهمت في تسريع وتيرة النقاش، على حساب جودته. فكل شيء يقال بسرعة، وينسى بسرعة، دون أن يترك أثرا حقيقيا.

هذا الواقع لا يخلو من تبعات. فحين يفقد النقاش جديته، تتراجع قدرته على التأثير، ويصبح عاجزا عن مواكبة التحديات الحقيقية التي يواجهها المجتمع. لأن النقاش، في جوهره، ليس هدفا في حد ذاته، بل وسيلة للفهم، والتصحيح، والبناء.

إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الكلام، بل إلى كلام أكثر عمقا. نقاش يطرح الأسئلة الحقيقية، ويقبل الاختلاف، ويسعى إلى الحلول بدل الاكتفاء بالتشخيص أو التراشق.

في النهاية، قد لا يكون المشكل في تعدد الأصوات، بل في غياب البوصلة. فحين يغيب المعنى، يتحول النقاش إلى ضجيج، ويضيع الهدف وسط كثرة الكلام.

فهل نعيد للنقاش العمومي جديته؟ أم نواصل الحديث… دون أن نقول شيئا؟