لا تنسوا رجال الوطن… فغدا ستكونون مكانهم
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
في خضم الحياة السياسية، وسرعة تعاقب المسؤوليات، وانشغال الجميع بما هو جديد، كثيرا ما ننسى رجالا ونساء أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن. وما إن يغادروا مواقع المسؤولية حتى يختفون من المشهد، وكأن سنوات العطاء التي قضوها لم تكن يوما جزءا من تاريخ هذا البلد.
ولعل هذه من أكبر المفارقات التي تعيشها مجتمعاتنا؛ نحتفي بالمسؤول وهو في منصبه، ونحيط به بكل مظاهر التقدير، لكن ما إن يغادر حتى يسقط اسمه من الذاكرة، رغم أن ما قدمه للوطن لا يرتبط بمنصب، وإنما بمسيرة كاملة من العمل والتضحية.
إن الأوطان التي تحترم نفسها لا تبنى فقط بالمشاريع والبرامج، بل تبنى أيضا بثقافة الوفاء. الوفاء لمن خدموا بإخلاص، ولمن تحملوا المسؤولية في ظروف صعبة، ولمن تركوا بصمة طيبة داخل المؤسسات وفي نفوس المواطنين. فالاعتراف بالعطاء ليس مجاملة، بل هو عنوان رقي الأمم واحترامها لتاريخها.
قد نختلف مع مسؤول في قرار، أو في رؤية، أو في أسلوب تدبيره، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع ديمقراطي. لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى جحود، ولا إلى إنكار لكل ما قدمه. فالإنصاف يقتضي أن نقول للمحسن أحسنت، وأن نعترف لمن خدم وطنه بما يستحقه من تقدير.
ولعل أخطر ما يمكن أن يقع فيه المسؤول، وهو في أوج سلطته، أن يعتقد أن المنصب دائم، أو أن الاحترام مرتبط بالكرسي الذي يجلس عليه. فالمناصب زائلة، والسلطة عابرة، ولا يبقى في نهاية المطاف إلا ما تركه الإنسان من أثر، وما زرعه من خير، وما بناه من ثقة في قلوب الناس.
كم من مسؤول غادر منصبه، لكن الناس ما زالوا يذكرونه بكل خير، لأنهم وجدوا فيه الصدق والنزاهة والتواضع. وكم من مسؤول آخر انتهت مهمته، فانتهى معها كل شيء، لأنه لم يترك وراءه سوى الجدل والخصومات.
إن التاريخ لا يحتفظ بأسماء الذين شغلوا المناصب فقط، بل يحتفظ بأسماء الذين أحسنوا استغلالها لخدمة أوطانهم. فالمنصب لا يصنع رجلا عظيما، وإنما الرجل هو من يمنح المنصب قيمته وهيبته.
ولهذا، فإن كل من يتحمل اليوم مسؤولية، صغيرة كانت أو كبيرة، عليه أن يتذكر حقيقة لا مفر منها: سيأتي يوم يغادر فيه هذا المنصب، وسيجلس مكانه شخص آخر، تماما كما جلس هو مكان من سبقه. وعندها لن يتذكر الناس عدد الاجتماعات التي عقدها، ولا عدد التصريحات التي أدلى بها، بل سيتذكرون كيف عامل الناس، وماذا قدم لوطنه، وكيف غادر.
إن ثقافة الوفاء ليست رسالة إلى من غادروا المسؤولية فقط، بل هي أيضا رسالة إلى من يتحملونها اليوم. فاحرصوا على أن تتركوا وراءكم سيرة طيبة، لأن المناصب لا تورث، أما السمعة فتعيش مع صاحبها إلى آخر العمر.
وفي النهاية، لا تنسوا رجال الوطن الذين خدموا بإخلاص، ولا تجعلوا تغير المواقع سببا في نسيان العطاء. فالأيام تدور، والكراسي تتبدل، والوجوه تتغير، وسيأتي يوم يقف فيه كل مسؤول في المكان نفسه الذي يقف فيه من سبقوه، ينتظر حكم التاريخ وحكم الناس.
فغدا ستكونون مكانهم، ولن يبقى لكم إلا ما قدمتم للوطن.