لكل زمن رجاله… ولكل جيل موعده مع المسؤولية
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
في السياسة، كما في الحياة، لا شيء يبقى على حاله. تتغير الأزمنة، وتتبدل الأولويات، ويأتي كل جيل محملا بأفكاره وتطلعاته وأدواته. وهذه ليست قاعدة سياسية فقط، بل هي سنة من سنن الحياة التي لا يستطيع أحد أن يوقفها.
ولعل أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه أي جيل هو أن يعتقد أن المستقبل ملك له وحده، أو أن القيادة حق مكتسب لا يجوز أن ينتقل إلى غيره. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم التي نجحت هي تلك التي عرفت كيف تضمن انتقال المشعل بين الأجيال، دون صراع، ودون إقصاء، ودون خوف من القادم.
لا أحد ينكر ما قدمه الجيل الذي سبقنا. فقد تحمل مسؤولياته في ظروف مختلفة، وساهم في بناء المؤسسات، وواجه تحديات عصره بما توفر له من إمكانيات. ومن الإنصاف أن نعترف بعطائه، وأن نحترم تجربته، وأن نستفيد من حكمته.
لكن من الإنصاف أيضا أن نعترف بأن الزمن تغير، وأن لكل مرحلة رجالها ونساؤها، ولكل جيل رؤيته ولغته وأولوياته. فلا يمكن إدارة تحديات الغد بعقلية الأمس، كما لا يمكن مطالبة الشباب بالانتظار إلى ما لا نهاية حتى يحين دورهم.
إن الصراع الحقيقي ليس بين الشباب والكبار، وإنما بين من يؤمن بتجدد النخب، ومن يعتقد أن المواقع يجب أن تبقى حكرا على الأسماء نفسها. فالمؤسسات القوية لا تخاف من تداول المسؤوليات، لأنها تدرك أن الاستمرار لا يتحقق بالأشخاص، بل بتجديد الأفكار وإفساح المجال للكفاءات.
لقد شاءت سنة الحياة أن يعيش كل إنسان فصولها. فمن هم اليوم في خريف العمر، عاشوا يوما ربيع الشباب، وكانوا يطالبون بالفرصة نفسها التي يطالب بها الجيل الجديد اليوم. ولذلك، فإن أجمل ما يمكن أن يقدمه جيل الأمس لجيل الغد، هو أن يسلمه المشعل بثقة، وأن يظل إلى جانبه بالنصح والخبرة، لا بالمنافسة على المستقبل.
أما نحن، أبناء هذا الجيل، فعلينا أن ندرك أن الطموح وحده لا يكفي. فالمستقبل لا يمنح بالسن، وإنما بالكفاءة، والعمل، والالتزام، واحترام المؤسسات. ولا يمكن أن نطالب بفرصة لقيادة الغد، إذا لم نثبت اليوم أننا نستحقها.
إن الوطن لا يخسر عندما يتقدم الشباب، كما لا يربح عندما يقصى أصحاب التجربة. الوطن يربح عندما يلتقي حماس الشباب بحكمة الكبار، وعندما يصبح انتقال المسؤولية أمرا طبيعيا، لا معركة تكسر فيها الجسور بين الأجيال.
وفي النهاية، فإن عجلة الزمن لا تتوقف لأحد. واليوم قد يكون جيل في موقع القيادة، وغدا سيكون جيل آخر في المكان نفسه. وتلك هي طبيعة الحياة، فلا أحد يستطيع أن يوقف الربيع، كما لا أحد يستطيع أن يمنع الخريف من أن يأتي.
فلكل زمن رجاله… ولكل جيل موعده مع المسؤولية، ومن يفهم هذه الحقيقة لا يخشى المستقبل، بل يشارك في صناعته.