ليس كل ما يتغير… يتطور
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
التغيير سنة من سنن الحياة. فلا شيء يبقى على حاله، والأمم التي تتوقف عن التغيير محكوم عليها بالجمود. لكن، في المقابل، ليس كل تغيير يعني أننا نسير إلى الأمام، وليس كل جديد يحمل في داخله معنى التطور. فهناك فرق كبير بين أن يتغير الشيء، وأن يتحسن.
لقد أصبحنا نعيش في زمن تتسارع فيه التحولات بشكل غير مسبوق. تتغير وسائل التواصل، وأنماط العيش، وطرق العمل، وحتى أساليب التفكير. وكل يوم يولد تطبيق جديد، أو تقنية جديدة، أو فكرة جديدة. غير أن هذا التسارع جعل البعض يخلط بين التغيير والتقدم، وكأن كل ما هو جديد أفضل بالضرورة مما سبقه.
والحقيقة أن التطور لا يقاس بسرعة التغيير، وإنما بجودة نتائجه. فليس المهم أن نغير، بل أن نسأل: ماذا أضاف هذا التغيير؟ وهل جعل حياتنا أفضل؟ وهل عزز قيمنا، ورفع من مستوى وعينا، وسهل حياة الناس؟
فقد تتغير المدن، وترتفع البنايات، وتتوسع الطرق، لكن إذا بقي المواطن يعاني من ضعف الخدمات، فإننا أمام تغيير في الشكل أكثر منه تطورا في المضمون. وقد تتطور وسائل التواصل، لكن إذا أصبحت سببا في ضعف الحوار داخل الأسرة، فإننا نكون قد غيرنا الوسيلة ولم نطور العلاقة.
وفي المدرسة، لا يكفي تغيير المناهج أو اعتماد وسائل رقمية حديثة إذا لم ينعكس ذلك على جودة التعلمات، وعلى تكوين تلميذ قادر على التفكير والإبداع. وفي الإدارة، لا يكفي رقمنة الخدمات إذا بقي المواطن يصطدم بالعقليات نفسها، وبالبطء نفسه، وبالتعقيدات نفسها.
أما في السياسة، فإن كثرة الشعارات لا تعني بالضرورة وجود إصلاح حقيقي. فالتغيير الحقيقي هو الذي يشعر به المواطن في حياته اليومية، عندما تتحسن المدرسة، وتتطور المستشفيات، وتتوفر فرص الشغل، ويصبح القانون مطبقا على الجميع دون استثناء.
وحتى على المستوى الفردي، قد يغير الإنسان مظهره، أو مكان عمله، أو محيطه، لكنه يظل يحمل معه الأخطاء نفسها، والعادات نفسها، وطريقة التفكير نفسها. عندها يكون قد غير ظروفه، لكنه لم يطور نفسه. فالتطور يبدأ من الداخل، من مراجعة الذات، ومن الاستعداد للتعلم، ومن القدرة على الاعتراف بالنقص والعمل على تجاوزه.
إن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تركض وراء كل جديد، بل تلك التي تميز بين ما هو جديد وما هو نافع. فليس كل تقليد للآخرين تطورا، وليس كل محافظة على بعض القيم تخلفا. الحكمة تكمن في أن نأخذ من العصر ما ينفعنا، وأن نحافظ من هويتنا على ما يقوينا.
لقد علمنا التاريخ أن كثيرا من الأمم امتلكت وسائل حديثة، لكنها فشلت لأنها فقدت بوصلتها. وفي المقابل، نجحت أمم أخرى لأنها جعلت من التغيير وسيلة لخدمة الإنسان، لا غاية في حد ذاته.
وفي النهاية، ينبغي أن ندرك أن التغيير أمر لا مفر منه، أما التطور فهو اختيار يحتاج إلى رؤية، وإرادة، وحسن تدبير. فكل تطور هو تغيير، لكن ليس كل تغيير تطورا.
إن المجتمعات لا تقاس بكثرة ما تغيره، بل بقدرتها على أن تجعل كل تغيير خطوة نحو مستقبل أفضل. فالتغيير قد يلفت الأنظار، أما التطور فهو الذي يصنع الحضارات.