محمد أوزين في مواجهة «شحفان»: حين تنتصر الحجة على ضجيج التفاهة
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
ليست كل معركة سياسية معركة بين أشخاص، كما أن كل خلاف بين فاعل سياسي وصاحب منبر إعلامي لا ينبغي أن يتحول بالضرورة إلى معركة شخصية. ففي الديمقراطيات التي تحترم نفسها، يظل الاختلاف حقا، والنقد حقا، والرد حقا، لكن ما يجعل هذه الممارسة ذات قيمة هو أن تبقى محكومة بالوقائع والحجج والمسؤولية، لأن الإعلام والسياسة، مهما اختلفت وظائفهما، يشتركان في مسؤولية أساسية هي خدمة المجال العام، لا تحويله إلى فضاء للتشهير والإثارة وتصفية الحسابات.
ومن هذا المنطلق، فإن الرد الذي اختاره محمد أوزين على ما اعتبره إساءة أو تجاوزا في حقه وفي حق العمل السياسي، يفتح نقاشا أوسع من حدود الخلاف الشخصي، لأنه يعيد إلى الواجهة سؤالا أصبح ملحا في المشهد الإعلامي والسياسي المغربي: أين ينتهي النقد الصحفي المشروع، وأين تبدأ الإساءة؟ وأين ينتهي حق الصحافة في كشف الاختلالات، وأين تبدأ مسؤولية الصحفي في احترام كرامة الأشخاص وحرمة الحياة الخاصة وقرينة البراءة؟
هذه الأسئلة ليست ترفا فكريا، ولا دفاعا عن سياسي في مواجهة صحفي، وإنما هي أسئلة ترتبط مباشرة بجوهر دولة القانون وبالمكانة التي ينبغي أن يحتلها الإعلام داخل المجتمع الديمقراطي. فالصحافة القوية ليست هي التي ترفع صوتها أكثر، ولا التي تحقق أكبر قدر من الإثارة، ولا التي تستطيع تحويل الحياة الخاصة للناس إلى مادة للاستهلاك اليومي، وإنما هي التي تمتلك القدرة على تقديم المعلومة، والتحقيق في الوقائع، ومساءلة المسؤولين، وكشف الاختلالات، ثم تحمل مسؤولية ما تنشره أمام القانون والمجتمع.
ولذلك، فإن الخلاف بين محمد أوزين وأي منبر إعلامي لا ينبغي أن يُقرأ فقط باعتباره سجالا بين شخصين، وإنما ينبغي أن يُقرأ باعتباره اختبارا لمفهوم أوسع: هل نريد إعلاما يمارس النقد باعتباره وظيفة ديمقراطية، أم إعلاما يتحول فيه الصخب إلى بديل عن المهنية؟
لقد أصبح المشهد الإعلامي، في السنوات الأخيرة، يعيش تحولا عميقا بفعل الانتقال الرقمي، حيث لم تعد المعلومة وحدها هي التي تجذب المتلقي، بل أصبحت الإثارة في كثير من الأحيان أكثر قدرة على صناعة المشاهدة والانتشار. ومع اقتصاد الانتباه، أصبح بعض المحتوى يميل إلى تقديم العنوان الصادم، والقصة المثيرة، والفضيحة الشخصية، لأنها تحقق تفاعلا أسرع من التحقيق الهادئ أو التحليل المتزن. وهنا تبدأ المشكلة؛ لأن ما يحقق الانتشار ليس بالضرورة ما يخدم المجتمع.
المغاربة ليسوا جمهورا ساذجا يمكن استدراجه إلى كل رواية، ولا مجتمعا عاجزا عن التمييز بين النقد والمساءة، وبين التحقيق والإثارة، وبين الصحافة الجادة والمحتوى الذي يبحث عن المشاهدة بأي ثمن. لقد تطور وعي المواطن، وأصبح قادرا على مقارنة الروايات، والبحث عن المعطيات، وطرح الأسئلة، ومراجعة المصادر، وبالتالي فإن محاولة تقديم الجمهور باعتباره مجرد متلق سلبي لم تعد تنتمي إلى زمننا.
وهنا تحديدا، فإن قوة أي فاعل سياسي لا تقاس بقدرته على إسكات خصومه، وإنما بقدرته على مواجهتهم بالحجة. والسياسي الذي يثق في مؤسساته وفي مشروعيته وفي الوقائع التي يستند إليها لا يحتاج إلى الاختباء خلف الشتائم أو الحملات المضادة، بل يحتاج إلى أن يضع المعطيات أمام الرأي العام ويترك للمواطن مهمة الحكم.
ومن هذه الزاوية، فإن اختيار المواجهة السياسية والإعلامية بالحجة، بدل الانجرار إلى منطق التراشق الشخصي، يمثل في حد ذاته رسالة مهمة: الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى حرب على الأشخاص، والاختلاف الإعلامي لا ينبغي أن يتحول إلى إلغاء للخصم.
فالسياسي ليس فوق النقد، والصحفي ليس فوق المساءلة، والإعلام ليس سلطة بلا حدود، كما أن المسؤول العمومي لا يمكنه أن يطلب الحصانة من النقد بمجرد وجوده في موقع سياسي. الديمقراطية تقوم تحديدا على هذه المعادلة الدقيقة: سلطة تراقب، وصحافة تمارس دورها، ومواطن يحكم بين الروايات، وقانون يضع الحدود التي تحمي الجميع.
لكن المشكلة تظهر عندما يتحول النقد إلى حكم مسبق، أو عندما تصبح حياة الناس الخاصة مادة للاستعراض، أو عندما يتم التعامل مع الأسر والأعراض والسمعة باعتبارها أدوات لتحقيق الانتشار. هنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر، وإنما يصبح سؤالا حول أخلاقيات المهنة وحدود المسؤولية.
فالأسرة المغربية ليست مادة صحفية.
وخصوصية الناس ليست محتوى للترفيه.
والسمعة ليست سلعة في سوق المشاهدات.
وإذا كانت الصحافة تملك حق مساءلة السياسي، فإن السياسي والمواطن يملكان أيضا حق الدفاع عن كرامتهما أمام أي تجاوز، وفق القانون والمؤسسات، لا وفق منطق التشهير المتبادل.
ومن منظور القانون الدستوري، فإن حرية التعبير لا تعني غياب المسؤولية، كما أن حرية الصحافة لا تعني إلغاء الحقوق الأخرى التي يحميها القانون. الديمقراطية لا تختار بين الحرية والكرامة، وإنما تحاول بناء توازن بينهما. ولهذا فإن قوة الصحافة الحقيقية لا تظهر عندما تستطيع أن تضرب شخصا، وإنما عندما تستطيع أن تكشف واقعة دون أن تهدم كرامة إنسان، وأن تنتقد مسؤولا دون أن تتحول إلى خصم شخصي له.
وفي هذا السياق، يصبح الرد السياسي المسؤول أكثر أهمية من الرد الانفعالي، لأن المؤسسات الديمقراطية لا تحتاج إلى سياسيين يهربون من النقد، كما أنها لا تحتاج إلى إعلاميين يهربون من قواعد المهنة. كلاهما يحتاج إلى الآخر، لأن السلطة التي لا تُراقب قد تنحرف، والإعلام الذي لا يُساءل قد ينحرف بدوره.
ولهذا، فإن ما ينبغي أن ينتصر في مثل هذه المواجهات ليس الشخص على الشخص، وإنما الحجة على الضجيج، والوقائع على الادعاءات، والمهنية على الإثارة، والمؤسسات على منطق تصفية الحسابات.
وقد يكون من السهل جدا أن يتحول الخلاف إلى مادة للفرجة، وأن ينقسم الجمهور بين هذا الطرف وذاك، وأن يصبح كل طرف مشغولا بإثبات هزيمة الآخر. لكن السؤال الأهم يجب أن يكون: ماذا يستفيد المجتمع من هذه المواجهة؟ وهل ستقوده إلى فهم أفضل للقضايا التي تهمه، أم ستزيد فقط من حجم الضجيج؟
إن السياسة التي تحترم نفسها لا تخشى الإعلام، والإعلام الذي يحترم نفسه لا يخشى الحقيقة. وبينهما يجب أن يبقى المواطن هو المستفيد الأول، لا أن يتحول إلى مجرد متفرج على معارك شخصية لا علاقة لها بالمصلحة العامة.
ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من هذه الواقعة هو أن زمن احتكار الحقيقة قد انتهى. لا السياسي يستطيع أن يفرض روايته على المواطنين، ولا الصحفي يستطيع أن يفرض روايته باعتبارها الحقيقة النهائية. المواطن اليوم يمتلك أدوات للمقارنة والتحقق، ويستطيع أن يسأل: أين الدليل؟ أين الوثيقة؟ أين الوقائع؟ ومن هنا تصبح المهنية أقوى من الضجيج، لأن ما يبقى في النهاية ليس ارتفاع الصوت، وإنما قوة الحجة.
أما تحويل الخلاف السياسي إلى محاولة لهدم الأشخاص والأسر، أو تحويل العمل الإعلامي إلى فضاء دائم للتشهير والإثارة، فإنه لا يخدم لا السياسة ولا الصحافة ولا المجتمع. بل يساهم في إضعاف الثقة في الجميع، ويمنح المواطن انطباعا بأن المجال العام أصبح مجرد حلبة للصراعات الشخصية.
وهنا ينبغي أن نكون واضحين: المغاربة يميزون. يميزون بين من ينتقد من أجل الإصلاح ومن يثير من أجل المشاهدة، وبين من يواجه المسؤول بالحجة ومن يبحث عن فضيحة، وبين من يدافع عن قضايا المجتمع ومن يحول معاناة الناس إلى مادة للاستهلاك.
ولذلك فإن المعركة الحقيقية ليست بين محمد أوزين وخصم إعلامي بعينه، وإنما بين نموذجين للممارسة في المجال العام: نموذج يؤمن بأن السياسة والصحافة يجب أن تظلا محكومتين بالحجة والمسؤولية والاحترام، ونموذج يرى أن رفع منسوب الإثارة كاف لصناعة التأثير.
وفي النهاية، قد يربح أحد الأطراف جولة إعلامية، وقد يحقق عنوان ما ملايين المشاهدات، وقد ينجح سجال عابر في احتلال منصات التواصل ليوم أو يومين، لكن ما يبقى أطول من كل ذلك هو سؤال المهنية.
فالإعلام الذي يعيش على الضجيج يفقد قيمته عندما يهدأ الضجيج، والسياسي الذي يواجه النقد بالحجة يظل أقوى من السياسي الذي يهرب منه.
ولهذا، فإن انتصار محمد أوزين الحقيقي، إن أردنا أن نقرأ المشهد من زاوية سياسية ومؤسساتية، لا ينبغي أن يكون في إسكات خصم أو إحراجه، وإنما في تحويل المواجهة من سجال شخصي إلى نقاش حول معنى المسؤولية الإعلامية والسياسية، وحول الحدود الفاصلة بين النقد المشروع والإثارة، وبين حرية التعبير واحترام كرامة الإنسان.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى مزيد من الضجيج؛ يحتاجون إلى الحقيقة. ولا يحتاجون إلى من يهدم الثقة بين الناس والمؤسسات؛ يحتاجون إلى من يعيد بناءها.
وفي زمن أصبحت فيه التفاهة قادرة على الانتشار في دقائق، تبقى الكلمة المسؤولة، والدليل، والوقائع، واحترام ذكاء المواطن، أقوى من أي حملة عابرة.
لأن من يملك الحجة لا يحتاج إلى الضجيج، ومن يحترم المواطن لا يحوّل حياته وكرامته إلى سلعة.