من أهان المغاربة في عيدهم؟
افتتاحية الصباخ
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث فب العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
لم يكن مشهد هذا العيد عاديا في ذاكرة المغاربة. لم تكن الأزمة فقط في غلاء أضحية العيد، بل في ذلك الإحساس الجماعي بالحكرة والعجز الذي تسلل إلى بيوت كثيرة، وجعل رجالا ونساء يخفون دموعهم خوفًا من نظرة أبنائهم، وهم عاجزون عن توفير “حولي العيد” الذي ظل لعقود رمزًا للفرحة والكرامة داخل الأسرة المغربية.
لقد عاش المغاربة هذا العام واحدا من أصعب مواسم عيد الأضحى. الأسواق ملتهبة، الأسعار خارج المنطق، والفوضى تعم عددا من الأسواق، فيما المواطن البسيط يتنقل بين الأسواق بحثًا عن أضحية تناسب قدرته، ليصطدم بواقع أقسى من كل الخطابات الرسمية.
والمؤلم أكثر، أن الحكومة ظلت تردد أرقامًا مطمئنة حول وفرة القطيع واستقرار السوق، بينما الواقع الذي عاشه المواطن كان مختلفًا تماما. لأن الحقيقة تقاس بما يراه الناس بأعينهم، لا بما يُقال في الندوات والتصريحات. فكيف يمكن الحديث عن وفرة، والمغاربة وجدوا أنفسهم أمام أسعار خيالية، واكتظاظ، ومضاربات، وعجز واضح عن تلبية الطلب؟
ما حدث كان صادما لدرجة أن كثيرا من الأسر لم تعد تناقش نوع الأضحية أو حجمها، بل أصبحت تتساءل إن كانت ستستطيع شراء أضحية أصلا. وهناك من اضطر للاستدانة، ومن باع جزءًا من حاجياته، ومن اختار الانسحاب بصمت حتى لا يحرج أبناءه أمام المجتمع.
إن أخطر ما وقع هذا العيد ليس فقط الغلاء، بل ذلك الشعور بأن المواطن ترك وحده في مواجهة السوق والمضاربين والواقع القاسي. وكأن الحكومة اكتفت بمراقبة المشهد من بعيد، دون القدرة على حماية القدرة الشرائية للمغاربة أو طمأنتهم فعليا.
لقد بكى كثير من الرجال بصمت هذا العيد، ليس ضعفا، بل قهرا. وبكت نساء وهن يحاولن إخفاء خيبة أطفال انتظروا فرحة العيد فلم يجدوها كما عرفوها دائما. وهذه ليست مجرد أزمة موسمية، بل جرح اجتماعي عميق كشف حجم الهوة بين الخطاب الرسمي والواقع الحقيقي الذي يعيشه المواطن.
وإذا كانت الحكومات تقاس بقدرتها على حماية كرامة المواطنين في اللحظات الصعبة، فإن ما وقع هذا العيد سيظل نقطة سوداء في ذاكرة كثير من المغاربة. لأن المواطن قد يتحمل الصعوبات، لكنه لا يتحمل الإحساس بالإهانة والعجز داخل مناسبة دينية واجتماعية بهذا الحجم.
واليوم، قد تصمت الأسر احتراما لحرمة العيد، لكن الصمت لا يعني النسيان. فالمغاربة أصبحوا أكثر وعيا بأن صندوق الاقتراع ليس مجرد ورقة، بل وسيلة للمحاسبة والرد على الوعود التي لم تتحقق، وعلى السياسات التي عمقت معاناة الناس.
ولهذا، فإن كثيرين يرددون اليوم أن موعد 23 شتنبر لن يكون مجرد محطة انتخابية عادية، بل لحظة سيعبر فيها المواطن عن غضبه بطريقته الديمقراطية، بعد أن شعر أن صوته الاجتماعي لم يُسمع بما يكفي.
لأن كرامة المواطن ليست رقما في تقرير، ولا شعارا في خطاب، بل إحساس حقيقي بالأمان والقدرة على العيش بكرامة داخل وطنه.
وحين يصل المغاربة إلى عيد بلا فرحة… فذلك يعني أن هناك شيئًا عميقًا يحتاج إلى مراجعة حقيقية.