من زمن الوعود إلى زمن التعاقد: ماذا يريد المواطن من السياسة اليوم؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

لم يعد المواطن اليوم يبحث عن برنامج سياسي طويل، مليء بالعناوين الكبرى والوعود المتعددة التي يصعب تتبعها بعد انتهاء الانتخابات. ولم يعد كافيا أن تقدم له الأحزاب وثائق ضخمة تتحدث عن المستقبل بلغة عامة، ثم تتركه أمام سؤال بسيط لا يجد له جوابا: ماذا سيتحقق فعلا، ومتى، وبأي موارد؟

المواطن يريد شيئا أكثر وضوحا وواقعية: تعاقدا واضحا وبسيطا وقابلا للتنفيذ.

لقد تغيرت علاقة المواطن بالسياسة. فمع ارتفاع مستوى الوعي واتساع الوصول إلى المعلومة، أصبح المواطن أكثر قدرة على مقارنة الوعود بالنتائج، وأكثر رغبة في معرفة تفاصيل الالتزام السياسي. لم يعد يريد أن يسمع فقط ما سيحدث، بل يريد أن يعرف كيف سيحدث، وكم سيكلف، ومن سيتحمل مسؤولية تنفيذه، ومتى يمكن قياس نتائجه.

وهنا نصل إلى جوهر التحول الذي تحتاجه الممارسة السياسية: الانتقال من سياسة الوعود إلى سياسة الالتزامات، ومن البرنامج الذي يجمع كل شيء إلى تعاقد يحدد ما هو ممكن، وما هو مستعجل، وما هو قابل للتمويل والتنفيذ.

فالبرنامج السياسي التقليدي يميل بطبيعته إلى توسيع دائرة الوعود، لأن كل فئة اجتماعية تبحث عن مكان لها داخل الخطاب السياسي. أما التعاقد السياسي الحقيقي فيقوم على الاختيار وترتيب الأولويات. ليس مطلوبا من السياسي أن يعد المواطن بكل شيء، وإنما أن يقول له بوضوح: هذه هي الالتزامات التي نستطيع تنفيذها، وهذه هي المدة الزمنية، وهذه هي الموارد المطلوبة، وهذه هي النتائج التي يمكن قياسها.

وهذا التحول ليس تقنيا فقط، بل يحمل دلالة عميقة في مفهوم المسؤولية السياسية. فالسياسي الذي يضع أمام المواطن التزامات محددة يصبح قابلا للمساءلة. أما عندما تكون الوعود عامة وفضفاضة، فإن مساحة المحاسبة تضيق، ويصبح من السهل دائما العثور على مبررات لتأجيل التنفيذ أو إعادة تفسير الوعود.

إن التعاقد السياسي الذي نحتاجه لا ينبغي أن يكون وثيقة انتخابية أخرى، بل يجب أن يكون التزاما سياسيا قابلا للقياس. التزاما يقول للمواطن: ماذا سنفعل، أين، لفائدة من، خلال أي مدة، وبأي تكلفة، وما هو المؤشر الذي سنحتكم إليه لمعرفة هل نجحنا أم فشلنا؟

وهنا تدخل مسألة لا يمكن تجاهلها: الكلفة المالية.

فمن أخطر الممارسات السياسية أن تتحول المنافسة الانتخابية إلى مزاد للوعود، دون أن يرافق ذلك نقاش جدي حول مصادر التمويل والقدرة المالية للدولة. لا يمكن أن نعد المواطن بكل شيء، ثم نكتشف بعد الوصول إلى المسؤولية أن الإمكانات لا تسمح بتنفيذ ما قيل.

السياسة المسؤولة تبدأ من الاعتراف بأن الموارد محدودة، وأن حاجات المجتمع واسعة، وأن الدولة مطالبة بترتيب أولوياتها. ولذلك فإن أي تعاقد سياسي جدي يجب أن يجيب، قبل الإعلان عنه، عن سؤال بسيط: هل نستطيع تمويل ما نعد به؟

إن احترام المواطن يبدأ أيضا من احترام عقله ووعيه المالي. المواطن لا يريد فقط أن يعرف ماذا ستقدم له الدولة، بل يريد أن يعرف كيف سيتم تمويل ذلك. ومن هنا تصبح الشفافية المالية جزءا من التعاقد السياسي، وليست مجرد مسألة تقنية تخص المختصين في المالية العامة.

فحين يقول سياسي للمواطن إنه سيحقق مشروعا أو إصلاحا معينا، يجب أن يكون قادرا على تحديد تكلفته ومصدر تمويله والمدة اللازمة لإنجازه. وإذا كانت الموارد غير كافية، فالأمانة السياسية تقتضي أن يقول ذلك بوضوح، وأن يشرح ما الذي يجب تأجيله وما الذي يجب إعطاؤه الأولوية.

إن المواطن لا يطلب المستحيل، لكنه يريد أن يعرف حدود الممكن.

وهذه النقطة تحديدا يمكن أن تؤسس لنموذج جديد في العلاقة بين الدولة والمجتمع. تعاقد يقوم على الأولوية، والقدرة، والمدة، والكلفة، والنتيجة، والمحاسبة. وهي عناصر تجعل السياسة أقرب إلى إدارة المسؤولية منها إلى صناعة الأحلام.

ومن منظور علم السياسة، فإن قوة التعاقد لا تكمن فقط في مضمونه، وإنما في قابليته للتحقق. فالسياسة العمومية الناجحة ليست التي تقدم أكبر عدد من المشاريع، بل التي تحقق أثرا واضحا ومستداما. وقد يكون من الأفضل تنفيذ خمس أولويات بشكل كامل، بدل الإعلان عن خمسين مشروعا لا يتحقق منها إلا القليل.

وهنا تظهر أهمية تقييم السياسات العمومية. فالالتزام السياسي لا ينبغي أن ينتهي بمجرد الإعلان عن المشروع أو إصدار القرار، بل يجب أن تبدأ بعده مرحلة التتبع والتقييم. ماذا تحقق؟ ماذا تأخر؟ ما السبب؟ هل ارتفعت الكلفة؟ هل تغيرت الأولويات؟ وهل استفاد المواطن فعلا؟

هذه الأسئلة ليست محاسبة سياسية بالمعنى الضيق فقط، وإنما هي جزء من الحكامة الرشيدة.

إننا بحاجة إلى إعادة تعريف معنى النجاح السياسي. النجاح لا ينبغي أن يقاس بعدد التصريحات، ولا بعدد المشاريع التي تعلن، ولا بحجم البرامج الانتخابية، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويل الالتزامات إلى نتائج ملموسة.

وهذا يعني أيضا أن العلاقة بين المواطن والسياسي يجب أن تنتقل من علاقة تقوم على الثقة المطلقة إلى علاقة تقوم على **الثقة القابلة للتحقق**. المواطن يمنح صوته، والسياسي يمنح التزاما، والمؤسسات تراقب التنفيذ، والنتائج تصبح أساسا للتقييم.

في هذا النموذج، لا يصبح المواطن مجرد ناخب يظهر مرة كل عدة سنوات، وإنما يتحول إلى طرف في عملية سياسية مستمرة. يستطيع أن يسأل: ماذا تحقق من الالتزام؟ لماذا تأخر؟ كم أنفق؟ وما النتائج التي تحققت؟

وهنا تصبح الديمقراطية أكثر من مجرد انتخابات. تصبح آلية مستمرة للربط بين القرار والنتيجة، وبين السلطة والمسؤولية.

إن المغرب، وهو يواصل بناء مؤسساته وتطوير سياساته العمومية، يحتاج إلى تطوير هذه الثقافة أيضا: ثقافة التعاقد الواضح، والالتزام القابل للقياس، والإنفاق العمومي المسؤول، والتقييم المستمر. فالمواطن الذي يسمع عشرات الوعود ولا يرى نتائج ملموسة قد يفقد الثقة ليس فقط في صاحب الوعد، وإنما في العملية السياسية نفسها.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية في السنوات المقبلة لن تكون بالضرورة حول من يقدم البرنامج الأطول، وإنما حول من يستطيع أن يقدم التعاقد الأكثر واقعية ووضوحا وقابلية للتنفيذ.

تعاقد لا يخجل من الاعتراف بحدود الإمكانات، ولا يبيع للمواطن وهما سياسيا، ولا يرفع سقف الوعود فوق قدرة المالية العمومية، بل يضع أمامه صورة صادقة لما يمكن تحقيقه، وما يحتاج إلى وقت، وما يتطلب موارد إضافية، وما ينبغي تأجيله لصالح أولوية أكثر إلحاحا.

المواطن اليوم لا يريد أن يسمع فقط: ماذا سنفعل؟

إنه يريد أن يعرف: كيف؟ ومتى؟ وبكم؟ ومن المسؤول؟ وماذا يحدث إذا لم يتحقق الالتزام؟

وهذه الأسئلة ليست دليلا على فقدان الثقة في السياسة، بل ربما تكون دليلا على نضج المواطن نفسه.

لقد انتهى زمن السياسة التي تقاس فيها قوة الخطاب بعدد الوعود. نحن أمام حاجة جديدة إلى سياسة تقاس فيها قوة الالتزام بقدرته على الصمود أمام الواقع.

وفي النهاية، فإن أفضل تعاقد سياسي ليس ذلك الذي يعد المواطن بكل شيء، وإنما ذلك الذي يقول له بصدق: هذه أولوياتنا، وهذه إمكاناتنا، وهذه كلفتها، وهذا أجلها، وهذه نتائجها المنتظرة، وإذا لم نحققها فهذه هي مسؤوليتنا.

عندها فقط يمكن أن تنتقل السياسة من صناعة الوعود إلى صناعة الثقة، ومن الخطاب الانتخابي إلى المسؤولية، ومن البرنامج المكتوب إلى التعاقد القابل للتنفيذ.

فالمواطن لا يريد مستقبلا مرسوما بالكلمات، بل يريد التزاما واضحا يمكن قياسه، وتمويلا يمكن تحمله، ونتيجة يمكن أن يلمسها في حياته اليومية