هكذا ساهم قادة الحركة الشعبية في تحرير المغرب وبناء مؤسساته

0

بقلم نوفل بوصفي
طالب باحث في القانون العام بجامعة محمد الخامس أكدال

لم يكن بناء الدولة المغربية الحديثة نتيجة مرحلة عابرة، بل جاء ثمرة مسار طويل من النضال والتضحيات التي ساهمت فيه قوى وطنية متعددة. ومن بين هذه القوى، برز حزب الحركة الشعبية كأحد الفاعلين السياسيين الذين واكبوا مسار التحرير وأسهموا في بناء مؤسسات الدولة، خصوصًا من خلال دفاعه عن قضايا الفئات الشعبية والعالم القروي.

ولفهم هذا الدور، لا بد من العودة إلى مرحلة الحماية التي شكلت منعطفًا حاسمًا في تاريخ المغرب. فقد أدى توقيع معاهدة الحماية سنة 1912 إلى فرض نظام استعماري قسم البلاد بين النفوذ الفرنسي والإسباني، وأفقد المغرب جزءًا كبيرًا من سيادته. غير أن المغاربة لم يستسلموا، بل خاضوا أشكالًا متعددة من المقاومة المسلحة والسياسية، وهو ما مهد الطريق نحو الاستقلال.

ظروف تأسيس الحركة الشعبية

ومع بزوغ فجر الاستقلال، برزت الحاجة إلى تأطير الحياة السياسية وبناء مؤسسات الدولة الحديثة. وفي هذا السياق، بدأت فكرة تأسيس الحركة الشعبية سنة 1957 بمبادرة من عدد من الوطنيين وأعضاء جيش التحرير، غير أن الحزب واجه صعوبات مرتبطة بالترخيص والتنظيم السياسي في تلك المرحلة. وبعد صدور ظهير الحريات العامة سنة 1958، تم تأسيس حزب الحركة الشعبية بشكل رسمي بقيادة شخصيات وطنية بارزة، من بينها المحجوبي أحرضان والدكتور عبد الكريم الخطيب، إلى جانب شخصيات أخرى ساهمت في وضع اللبنات الأولى لهذا التنظيم السياسي، قبل أن تتعزز هياكله التنظيمية خلال السنوات اللاحقة.

وقد جاء تأسيس الحزب في سياق وطني دقيق اتسم بالنقاش حول طبيعة النظام السياسي والتعددية الحزبية، حيث ساهم الحزب في الدفاع عن الحريات العامة وترسيخ التعددية السياسية، معارضًا أي توجه نحو هيمنة الحزب الوحيد. ومنذ بداياته، تأسست الحركة الشعبية على فكرة مغربية أصيلة، متشبثة بثوابت الأمة، ومدافعة عن قيم العدالة والإنصاف والتنوع.

كما قدم الحزب تصورًا سياسيًا يقوم على قيم “تمغربيت”، المستمدة من المرجعية الأمازيغية والعربية الإسلامية، والمنفتحة على العمق الإفريقي، في إطار وحدة وطنية متكاملة قوامها التنوع والانسجام. ودافع الحزب عن العدالة اللغوية والثقافية، وعن قيم الوسطية والاعتدال، مع تبنيه توجهًا ديمقراطيًا منسجمًا مع الفكر الليبرالي الاجتماعي، ومناهضًا لكل أشكال التطرف.

شخصيات بارزة ساهمت في بناء الدولة

وعلى مستوى الشخصيات الوطنية، برزت أسماء وازنة داخل الحركة الشعبية ساهمت في بناء الدولة المغربية الحديثة. ومن بين هذه الشخصيات، الحسن اليوسي، أحد مؤسسي الحزب، والذي يعد من أوائل المسؤولين الذين ساهموا في تدبير الشأن الداخلي للدولة المغربية بعد الاستقلال، بعدما شغل منصب باشا مدينة صفرو، وأسهم بدوره في مرحلة تأسيس مؤسسات الدولة الحديثة.

ومن بين الأسماء البارزة كذلك، مبارك البكاي، الذي يعد أول رئيس حكومة في المغرب بعد الاستقلال، حيث لعب دورًا مهمًا في تدبير مرحلة انتقالية دقيقة من تاريخ البلاد، وساهم في ترسيخ مؤسسات الدولة الحديثة.

كما يعتبر المحجوبي أحرضان من أبرز رموز الحركة الشعبية، حيث أصبح الكاتب العام للحزب خلال مؤتمره الثاني المنعقد بمدينة مراكش سنة 1962. وشارك في عدة حكومات مغربية، وتقلد مناصب وزارية مهمة، من بينها منصب وزير الدفاع في أول حكومة شكلها الملك الحسن الثاني ما بين سنتي 1961 و1964. وفي غشت 1964 عين وزيرًا للفلاحة، ثم وزيرًا للفلاحة والإصلاح الزراعي سنة 1965. وبين فبراير 1966 ومارس 1967 تولى منصب وزير الدولة المكلف بالدفاع الوطني. كما عين وزير دولة سنة 1977، ثم وزير دولة مكلفًا بالبريد والمواصلات في حكومة أحمد عصمان خلال السنة نفسها. وفي سنة 1979 عين وزيرًا للتعاون في حكومة المعطي بوعبيد، قبل أن يعين وزير دولة في حكومة محمد كريم العمراني سنة 1983، وهي مسيرة تعكس حجم مساهمته في تدبير الشأن العام وترسيخ مؤسسات الدولة.

البعد الاجتماعي والمجالي

وعلى المستوى الاجتماعي والمجالي، جعلت الحركة الشعبية من العدالة المجالية أحد أبرز أولوياتها، حيث ناضلت من أجل إنصاف ساكنة العالم القروي والمناطق الجبلية، إلى جانب سكان المدن، وسعت إلى تقليص الفوارق الاجتماعية وتحقيق توزيع أكثر عدلًا للثروات، بما يضمن الكرامة لجميع المواطنين.

كما ساهم الحزب في ترسيخ مؤسسات الدولة من خلال مشاركته الفعالة في الحياة السياسية، سواء عبر الحكومات المتعاقبة أو من خلال حضوره داخل البرلمان والمجالس المنتخبة. ويواصل اليوم أداء أدواره السياسية من خلال إسهاماته التشريعية ومواقفه السياسية، سواء من موقع الأغلبية أو المعارضة.

وفي المجمل، يمكن القول إن حزب الحركة الشعبية شكل أحد الركائز الأساسية في مسار بناء المغرب الحديث، من خلال دفاعه عن التعددية السياسية، وإسهامه في دعم الاستقرار، وحرصه على تحقيق تنمية متوازنة تشمل مختلف جهات المملكة.

الانتخابات التشريعية المقبلة: فرصة لاختيار المستقبل

تشكل الانتخابات التشريعية المقبلة محطة مهمة في المسار الديمقراطي للمغرب، باعتبارها فرصة حقيقية أمام المواطنين للمساهمة في اختيار التوجهات السياسية للمرحلة المقبلة. فالتصويت ليس مجرد حق دستوري، بل هو مسؤولية وطنية تعكس وعي المواطن بدوره في بناء مستقبل بلاده.

وفي هذا السياق، يصبح من الضروري أن يحسن الناخب اختيار الحزب القادر على تقديم حلول واقعية لمشاكل المجتمع، والدفاع عن قضايا المواطنين بمختلف فئاتهم. وتبرز هنا أهمية الأحزاب التي راكمت تجربة سياسية وحضورًا ميدانيًا، ومن بينها حزب الحركة الشعبية بقيادة أمينه العام السيد محمد أوزين، الذي يواصل الدفاع عن قضايا المواطن، خاصة في العالم القروي والمناطق المهمشة، مع الدعوة إلى تعزيز العدالة المجالية والاجتماعية وتشجيع مشاركة الشباب في الحياة السياسية.

إن المشاركة الواعية والمسؤولة في الانتخابات تظل السبيل الأساسي نحو تعزيز الديمقراطية وترسيخ الاستقرار وتحقيق التنمية. فالصوت الذي يمنحه المواطن اليوم، هو الذي سيساهم في رسم معالم المستقبل.