هيبة المسؤول في المغرب… هل تآكلت بفعل الزلات؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

كان المسؤول في المخيال الجماعي للمغاربة يُنظر إليه، لسنوات طويلة، باعتباره رجل دولة قبل أي شيء آخر. حضوره محسوب، وكلامه موزون، وصورته مرتبطة بالوقار والجدية والقدرة على الإقناع. لم يكن المواطن يتفق دائمًا مع السياسي أو المسؤول، لكنه كان يشعر على الأقل أن من يتحدث يدرك ثقل الموقع الذي يمثله.

اليوم، يبدو أن هذه الصورة بدأت تتآكل تدريجيا. ليس بسبب الاختلاف السياسي فقط، بل بفعل تكرار مشاهد وتصريحات تحولت في كثير من الأحيان إلى مادة للسخرية والتندر داخل مواقع التواصل الاجتماعي وحتى في النقاش اليومي بين الناس. وهو ما يطرح سؤالا حقيقيا: ماذا يحدث لصورة المسؤول في المغرب؟

المشكلة ليست في وقوع الخطأ، فالخطأ وارد في السياسة كما في غيرها، لكن حين تصبح الزلات متكررة، والتواصل مرتبكا، والتصريحات أحيانا بعيدة عن انتظارات المواطنين، فإن الأمر يتحول من مجرد هفوات فردية إلى مؤشر على أزمة أعمق في صورة الخطاب السياسي نفسه.

لقد أصبحت بعض خرجات المسؤولين تتداول بمنطق “الميمات” والضحك أكثر مما تناقش بمنطق سياسي جدي. وهذا ليس تفصيلا بسيطا، لأن هيبة المسؤول لا ترتبط فقط بالمنصب، بل بطريقة الحضور، واللغة، والقدرة على إقناع الناس واحترام ذكائهم.

والمفارقة أن هذه المرحلة جاءت تحت عنوان “حكومة الكفاءات”، وهي الفكرة التي خلقت لدى المغاربة انتظارات كبيرة، أملا في خطاب أكثر ندجا وتدبير أكثر احترافية. لكن كثرة الزلات والتصريحات المثيرة للجدل جعلت جزءًا من الرأي العام يشعر بأن الفجوة بين الشعار والممارسة أكبر مما كان متوقعًا.

إن تراجع صورة المسؤول لا يضر فقط بالشخص المعني، بل ينعكس على صورة المؤسسات والثقة العامة في العمل السياسي. لأن المواطن حين يفقد احترامه لصورة المسؤول، يبدأ تدريجيا في فقدان اهتمامه بالنقاش السياسي نفسه، ويتحول التفاعل من المشاركة إلى السخرية أو اللامبالاة.

ولعل أخطر ما في الأمر، أن بعض المسؤولين أصبحوا يتعاملون مع التواصل السياسي وكأنه مجرد حديث عابر، بينما الحقيقة أن كل كلمة تصدر عن مسؤول تحمل رمزية الدولة ومؤسساتها. فالسياسة ليست فقط قرارات، بل أيضا صورة ورسالة وسلوك.

ولا يتعلق الأمر بالدعوة إلى صناعة مسؤول “مثالي” أو معصوم من الخطأ، بل بضرورة استعادة الحد الأدنى من الرصانة والجدية والوعي بثقل المسؤولية. لأن المواطن قد يتسامح مع الصعوبات، لكنه يصعب أن يتسامح مع الاستخفاف أو الارتباك المتكرر.

في النهاية، لا تبنى هيبة المسؤول بالسلطة وحدها، بل بالكفاءة، والاحترام، والقدرة على تمثيل الدولة بصورة تليق بها. وحين تتحول السياسة إلى مادة للضحك أكثر من كونها فضاءً للنقاش الجدي، فإن الخسارة لا تكون شخصية فقط… بل جماعية أيضا.

فهل ما زال بالإمكان استعادة صورة المسؤول وهيبته داخل الوعي الجماعي؟ أم أن زمن “رجل الدولة” بدأ يتراجع أمام زمن الفرجة السياسية؟