ورش الحماية الاجتماعية وسؤال النجاعة الحكومية

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

ليس هناك خلاف حول أهمية ورش تعميم الحماية الاجتماعية، ولا حول المكانة التي يحتلها هذا الورش ضمن مشروع الدولة الاجتماعية في المغرب. إنه ورش استراتيجي أطلق بإرادة ملكية واضحة، وجعل من حماية المواطن من المرض والهشاشة والفقر وفقدان الدخل جزءا من تصور متكامل للعدالة الاجتماعية وصون الكرامة. ولذلك فإن النقاش الحقيقي اليوم لا ينبغي أن ينصب على جدوى الورش، وإنما على سؤال أكثر مسؤولية: هل استطاعت الحكومة أن تنزل هذا المشروع الملكي بالسرعة والنجاعة والجودة التي تقتضيها مكانته؟

هذا السؤال مشروع، بل ضروري.

فحين يكون الأمر متعلقا بورش ملكي استراتيجي، فإن مسؤولية الحكومة لا تتمثل في امتلاك الإرادة السياسية فقط، وإنما في تحويل التوجيهات الكبرى إلى سياسات عمومية ناجعة، وإلى مؤسسات قادرة على التنفيذ، وإلى خدمات يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فالملك يحدد الرؤية الاستراتيجية ويوجه الدولة نحو خيارات كبرى، بينما تقع على عاتق الحكومة مسؤولية التدبير والتنزيل والتنسيق والتقييم والمساءلة.

وهنا تحديدا تبدأ المشكلة.

لقد قطعت المملكة أشواطا مهمة في تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، وفي إرساء نظام الدعم الاجتماعي المباشر، وتفيد المعطيات الرسمية بأن حوالي أربعة ملايين أسرة تستفيد من هذا الدعم، فيما تجاوز عدد المستفيدين من “أمو تضامن” 11.1 مليون شخص في وضعية هشاشة. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، لا ينبغي أن تتحول إلى نهاية للنقاش، لأن نجاح أي سياسة اجتماعية لا يقاس فقط بعدد المستفيدين، وإنما أيضا بجودة الخدمة، وسرعة الولوج إليها، وعدالتها، واستدامتها، وقدرتها على حماية المواطن فعليا من المخاطر الاجتماعية.

المواطن لا يعيش داخل الأرقام.

المواطن يعيش داخل المستشفى، وفي مركز العلاج، وفي طوابير الإدارة، وفي صعوبة الحصول على موعد، وفي تكلفة الدواء، وفي الانتظار، وفي المساطر، وفي السؤال البسيط الذي يختصر كل التقارير والخطب: ماذا تغير في حياتي؟

وهذا هو الاختبار الحقيقي للدولة الاجتماعية.

فالحماية الاجتماعية ليست مجرد تحويل مالي يصل إلى حساب الأسرة، وليست مجرد تسجيل اسم المواطن في منظومة التأمين. إنها منظومة متكاملة يفترض أن توفر له الحماية عندما يمرض، وعندما يفقد عمله، وعندما يصل إلى سن التقاعد، وعندما يواجه هشاشة اقتصادية أو اجتماعية تهدد استقرار أسرته.

ومن هنا فإن أي تعثر في أحد مكونات هذه المنظومة لا يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلا تقنيا.

لقد حدد الورش أربعة محاور كبرى، تشمل تعميم التأمين الإجباري الأساسي عن المرض، والدعم الاجتماعي المباشر، وتوسيع قاعدة المستفيدين من أنظمة التقاعد، وتعميم التعويض عن فقدان الشغل. وبينما تم تسجيل تقدم مهم في المحورين الأولين، تشير الوثائق الرسمية نفسها إلى أن استكمال توسيع قاعدة المنخرطين في أنظمة التقاعد وتعميم التعويض عن فقدان الشغل ما يزال ضمن الأوراش التي تحتاج إلى الاستكمال.

وهنا لا يتعلق الأمر بانتقاد من أجل الانتقاد، وإنما بسؤال في صميم الحكامة: لماذا لا تسير جميع مكونات ورش بهذا الحجم بالسرعة نفسها؟

هل المشكلة في التشريع؟ أم في التنسيق بين القطاعات؟ أم في الإدارة؟ أم في ضعف الموارد البشرية؟ أم في حكامة المؤسسات المكلفة بالتنزيل؟ أم في غياب تقييم دوري يضع الحكومة أمام نتائج قابلة للقياس؟

هذه الأسئلة ينبغي أن تطرح بوضوح، لأن الورش أكبر من أن يتحول إلى ملف إداري تتقاسمه الوزارات والمؤسسات.

إن الدولة الاجتماعية لا تبنى فقط بالاعتمادات المالية، وإنما أيضا بالقدرة المؤسساتية على التنفيذ. وقد يكون القرار السياسي صحيحا، والتمويل متوفرا، والإطار القانوني موجودا، لكن النتيجة على الأرض تظل دون مستوى الطموح إذا لم تكن هناك إدارة فعالة، وتنسيق قوي، ومراقبة دقيقة، وتقييم مستمر.

وهذا تحديدا هو معنى الحكامة.

الحكومة ليست مطالبة فقط بأن تقول إن الورش يتقدم، وإنما بأن تجيب عن سؤال: إلى أي حد يتقدم؟ وما هي النتائج؟ وما هي الاختلالات؟ وما هي آجال معالجتها؟ ومن يتحمل مسؤولية التأخر عندما يحدث؟

فالسياسات الاجتماعية الحديثة لا تقاس بمنطق الإعلان، وإنما بمنطق الأثر.

وإذا كان المواطن لا يزال يواجه صعوبات في الولوج إلى العلاج، أو يجد نفسه أمام خدمات صحية لا تستجيب دائما لحاجاته، أو يشعر بأن التعويضات لا تواكب تكاليف الحياة، أو ينتظر استكمال بعض أشكال الحماية التي يفترض أن تشمل حياته المهنية والاجتماعية، فإن الحكومة مطالبة بأن تسمع هذه الأصوات وأن تجعلها جزءا من عملية التقييم.

ليس المطلوب التشكيك في الورش الملكي، بل على العكس تماما: المطلوب حماية هذا الورش من الاختلالات التي قد تنتج عن ضعف التنزيل.

وهنا يجب أن يكون الفرق واضحا بين المشروع الملكي وبين المسؤولية الحكومية عن التنفيذ.

فالورش الملكي للحماية الاجتماعية ليس ورشا حزبيا ولا مشروعا حكوميا محدودا في الزمن. إنه خيار استراتيجي للدولة المغربية، والحكومة الحالية أو أي حكومة لاحقة ليست سوى جهة مكلفة بتحويل هذا الخيار إلى سياسات عمومية ملموسة وفعالة.

ولهذا فإن نجاح الورش ينبغي أن يكون فوق الحسابات السياسية الضيقة.

لا يجوز للحكومة أن تتعامل مع الإنجازات باعتبارها ملكا سياسيا لها، ثم تلقي مسؤولية التعثر على الظروف أو على الإدارات عندما تظهر الاختلالات. فالمنطق الدستوري للحكامة يقوم على المسؤولية والمحاسبة وربط المسؤولية بالممارسة الفعلية للاختصاص.

ومن هنا فإن المطلوب اليوم ليس مزيدا من الخطابات حول الدولة الاجتماعية، وإنما مزيد من الأثر الاجتماعي.

المواطن لا يريد أن يسمع فقط أن ملايين الأسر استفادت من الدعم، وإنما يريد أن يعرف هل أصبحت حياته أكثر أمنا؟ هل أصبح الولوج إلى العلاج أسهل؟ هل أصبح المرض أقل كلفة؟ هل أصبحت الأسرة الهشة أكثر حماية؟ هل أصبح العامل أكثر أمنا أمام فقدان الشغل؟ وهل يستطيع المغربي أن ينظر إلى المستقبل بثقة أكبر مما كان عليه قبل إطلاق هذا الورش؟

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تقاس بها الدولة الاجتماعية.

إن الورش الملكي للحماية الاجتماعية يحمل في جوهره فلسفة جديدة للعلاقة بين الدولة والمواطن. لم يعد المواطن مجرد مستفيد من إحسان اجتماعي أو من برامج ظرفية، وإنما أصبح صاحب حق في الحماية وفي الولوج العادل إلى الخدمات الاجتماعية والصحية. وهذا التحول في فلسفة الدولة يفرض بدوره تحولا في طريقة عمل الحكومة والإدارة.

فالدولة الاجتماعية تحتاج إلى إدارة اجتماعية قوية، وإلى مؤسسات فعالة، وإلى بيانات دقيقة، وإلى استهداف عادل، وإلى تقييم مستقل، وإلى قدرة على تصحيح الأخطاء بسرعة.

والأهم من ذلك أنها تحتاج إلى ثقافة سياسية تعترف بأن الاعتراف بوجود التعثر ليس فشلا، بل هو بداية الإصلاح.

الحكومة التي تقول للمواطن إن هناك اختلالا وتعمل على إصلاحه أكثر صدقية من حكومة تحاول تقديم كل شيء باعتباره نجاحا كاملا.

فالمشاريع الكبرى لا تنجح بالشعارات، وإنما بالقدرة على التعلم من الأخطاء وتصحيح المسار.

ومن هنا فإن الدفاع عن الورش الملكي للحماية الاجتماعية لا يعني الدفاع عن كل طريقة تم بها تنزيله. بل إن أقوى دفاع عنه هو مساءلة الحكومة حول مدى قدرتها على تحقيق أهدافه، لأن قيمة المشروع ستقاس في النهاية بما يتركه من أثر في حياة المواطنين.

إن المغرب لا يحتاج إلى دولة اجتماعية على الورق، وإنما إلى دولة اجتماعية يشعر بها المواطن في المستشفى، وفي المدرسة، وفي سوق الشغل، وفي الإدارة، وفي معاشه، وفي قدرته على مواجهة المرض والهشاشة وفقدان الدخل.

وإذا كان الورش الملكي قد وضع الأساس، فإن مسؤولية الحكومة هي أن تبني فوق هذا الأساس مؤسسات قادرة على الاستمرار، وسياسات قابلة للتقييم، وخدمات تحفظ كرامة المواطن.

لذلك فإن السؤال اليوم ليس: هل لدينا ورش للحماية الاجتماعية؟

نعم، لدينا ورش ملكي استراتيجي، وقد بدأت مكوناته الأساسية تعرف تنزيلا فعليا.

لكن السؤال الأهم هو: هل يتم تنزيل هذا الورش بالنجاعة التي يستحقها؟

وهنا يجب أن تكون الإجابة صريحة، لأن الأمر يتعلق بمشروع يمس حياة ملايين المغاربة، وبخيار ملكي يراد منه أن يؤسس لدولة اجتماعية أكثر عدلا وإنصافا.

الحماية الاجتماعية ليست ورقة في حصيلة حكومية، ولا رقما في تقرير سنوي، ولا مادة للاستهلاك السياسي.

إنها وعد للدولة تجاه المواطن.

وكل وعد من هذا الحجم لا يقاس بما قيل عنه، وإنما بما أصبح عليه المواطن بفضله.
فالورش ملكي في منطلقه، وطني في غايته، لكن نجاح تنزيله مسؤولية حكومية ومؤسساتية لا يمكن أن تنجح فيها الحسابات السياسية، وإنما تنجح فيها الحكامة والنجاعة والمساءلة.