بين وفرة الأمطار وهاجس العطش: هل ربح المغرب معركة الماء أم أجلها؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

على وقع التساقطات المطرية المهمة التي شهدتها مختلف مناطق المملكة خلال الأشهر الأخيرة، عاد الأمل ليتسلل إلى نفوس المغاربة، بعد سنوات متتالية من الجفاف وندرة المياه. امتلأت السدود، وانتعشت الفرشة المائية، واستبشر الفلاحون بموسم واعد. غير أن هذا المشهد الإيجابي، على أهميته، يطرح سؤالا جوهريا: هل نحن أمام انفراج حقيقي في أزمة الماء، أم مجرد هدنة مؤقتة في معركة طويلة؟

لا شك أن وفرة الأمطار هذا العام شكلت متنفسا حقيقيا للقطاع الفلاحي، وأسهمت في تحسين المخزون المائي، مما سينعكس إيجابا على الإنتاج والاستقرار القروي. كما أن هذه الانتعاشة تعيد التوازن نسبيا إلى منظومة عانت من اختلالات حادة خلال السنوات الأخيرة. لكن، ورغم هذا التحسن الظرفي، فإن التحدي الحقيقي يظل قائما، ويتعلق بمدى قدرة السياسات المائية على تحويل هذه الوفرة إلى مكتسب دائم.

لقد أظهرت التجربة أن الاعتماد على التقلبات المناخية لم يعد خيارا آمنا، في ظل التغيرات المناخية المتسارعة التي تجعل من فترات الجفاف أكثر حدة وتكرارا. من هنا، يصبح من الضروري الانتقال من منطق تدبير الأزمات إلى منطق استباقها، عبر بناء نموذج مائي resilient يقوم على التنويع والابتكار.

وفي هذا الإطار، تبرز أهمية المشاريع الاستراتيجية التي انخرط فيها المغرب، من قبيل تحلية مياه البحر، وتوسيع شبكة السدود، والربط بين الأحواض المائية، إضافة إلى تشجيع الاقتصاد في استهلاك الماء، خاصة في القطاع الفلاحي الذي يستهلك الحصة الأكبر من الموارد المائية. غير أن نجاح هذه الخيارات يظل رهينا بحكامة فعالة، وتنسيق محكم بين مختلف المتدخلين.

كما أن ربح معركة الماء لا يقتصر على البنيات التحتية فقط، بل يتطلب أيضا تغييرا في السلوك الجماعي، سواء لدى الأفراد أو المؤسسات. فترشيد الاستهلاك لم يعد مجرد خيار بيئي، بل ضرورة وطنية تفرضها التحولات الراهنة.

إن ما نعيشه اليوم قد يكون فرصة تاريخية لإعادة ترتيب أولوياتنا المائية، واستثمار سنوات الوفرة في بناء مناعة حقيقية ضد سنوات الندرة. فالتحدي ليس في امتلاء السدود اليوم، بل في ضمان استدامة هذا الامتلاء غدا.

في النهاية، قد لا يكون المغرب قد ربح معركة الماء بشكل نهائي، لكنه بالتأكيد يمتلك اليوم كل المقومات لتحويل هذا التحدي إلى قصة نجاح، إذا ما أحسن تدبير اللحظة، وجعل من الماء أولوية استراتيجية تتجاوز الظرفية نحو المستقبل.