بناء الوعي مسؤولية جماعية، ومدخل للاستقرار المجتمعي

0

بقلم بودرهم يوسف

يمضي الإنسان في هذه الدنيا كما يسير الغريب في دروب لا يعرف نهايتها، يبحث عن نصيبه من الحظ، وكأن الحظ وعد مؤجل في آخر الطريق.
في رحلته السرمدية، ينهكه النصب أو التعب، ويتعثر بخيبات العابرين، حتى يصبح الحزن رفيقه الصامت، الذي يعلمه ما لم تعلمه الكتب له.

وبما أن الإنسان مخلوق متميز، يظل في أعماقه شيء من النور الذي لا ينطفئ؛
إنها الإرادة القوية التي تعيد ترتيب الروح كلما أوشكت على الانكسار، وتدفعه لمواصلة المسير بكل إصرار وعناد؛
زاده الإيمان الذي يبني عزيمته من وجع التجربة، ليشع وهج إبداعه الذي يرسم ملامح الغد بتوفيق من الله.

هكذا هي الحياة، تختبر الإنسان بوعورتها كشعاب الجبال، وفي هذا المسار، يضع الله في طريقه صخورا تثقل الخطى، لحكمة يعلمها سبحانه، فيكتشف أنه أقوى مما يظن بمجرد تجاوزها؛

وتارة أخرى ترسل إليه بشائر مضيئة، كأشخاص يمرون في حياته مرور النور في العتمة، كأنهم رسائل رحمة، أو ملائكة في هيئة بشر، يلتقطونه حين ينهكه التعب، ويهمسون في داخله، اصبر فالطريق ليس ببعيد، إنما أنت أقرب مما تتخيل.

ومع امتداد هذا الطريق الطويل، يدرك الإنسان أنها مجرد تجارب لا بد أن يعيشها، ويتغلب عليها بطريقته الخاصة، وقوة إيمانه بالله أولا وبنفسه ثانيا؛
كما يدرك أنه فرد داخل مجتمع يتأثر بالظروف، وتؤثر فيه اختياراته، كعملية ميكانيكية أو فيزيائية مغناطيسية.

حينها يفهم أن الطرق والمسارات ليست متشابهة، ولا كل الفرص متاحة بنفس القدر، فهناك من يسير بخطى ثابتة، وهناك من تثقل خطاه ظروف الحياة، فيجد نفسه أسير واقع من الحاجة والانتظار.

ومن هنا يستحضر مفهوم الهشاشة الاجتماعية والنفسية، التي تعني ببساطة حالة من الضعف الاقتصادي أو الاجتماعي أو التعليمي، التي تجعله أكثر عرضة للتأثر بالظروف الصعبة، وأقل قدرة على الاستقلال في اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب؛
إنها وضعية يعيش فيها الإنسان تحت ضغط الحاجة اليومية، حيث يصبح تأمين الأساسيات أولوية تتقدم على أي اعتبارات أخرى، بما فيها الاختيارات الحرة.

وبالتالي، في مثل هذه البيئات، تعلو النخبة التقليدية أو نخبة الأعيان، كفاعل مؤثر في توجيه السلوك الاجتماعي للإنسان داخل كل مجتمع؛
فهذه النخبة لا تستمد قوتها فقط من موقعها الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، بل تبرز أكثر كلما اتسعت دائرة الهشاشة داخل المجتمعات؛
فكلما ارتفعت نسب الفقر، واتسعت دائرة البطالة، وضعف مستوى التعليم، زادت الحاجة إلى الوسيط الذي يقدم المساعدة، ويوفر الخدمات، ويتدخل لحل الإشكالات اليومية، التي يكون هو سببها المباشر، عبر قرارات غير واقعية، تتجسد من خلال تنزيل سياسات عمومية لا تشبع الحاجة الحقيقية، ولا تلبي طموح التنمية البشرية.

وهنا بالضبط، تتشكل داخل المجتمعات علاقة خاصة بين هذه الفئة والمجتمع، علاقة تقوم على منطق الحاجة أكثر مما تقوم على منطق المواطنة والمسؤولية في البناء؛
فعوض أن تبنى العلاقة على الحقوق والواجبات داخل دولة المؤسسات، نصبح أمام شبكة من الولاءات الاجتماعية التي تتغذى من الوضع الهش للإنسان المواطن، فيتقلص لديه مفهوم الاختيار الحر، ليصبح مقيد بتأثير الظروف وضغوط الواقع.

وكما سبقت الإشارة، يبقى الإنسان كائن متميز، وهذا في حد ذاته كفيل بأن يدفعه للتحرر من هذه القيود، والسير في دروب الحياة بصدق واحترام للقانون، مهما كانت ظروفه، لأنه يحمل داخله قدرة على تجاوز المفاهيم القدحية كالهشاشة، ويبني وعيه الخاص.

فالمكان لا يمنح الإنسان قيمته، لأن هذا الكائن المتميز هو الذي يمنح المكان معناه؛
كما أن الحضور ليس مجرد وجود في الفضاء المشترك، بل هو طاقة تعيد تشكيل المواقع بما يخدم الوطن والمصلحة العامة بروح مسؤولة جديدة.

ونافلة القول، حين يبدأ الوعي في التشكل، تتغير المعادلة، وعوض أن يتحرك الإنسان بمنطق الحاجة، يبدأ في التحرك بمنطق الاختيار من زاوية المسؤولية، وتتضح له رؤية الأنساق داخل المجتمع بشكل واضح؛
وبدل أن تؤسس العلاقات على الولاءات، تبدأ علاقة جديدة تبنى، قوامها الثقة والكفاءة والتخطيط، تستطيع تقليص مجال الهشاشة، وتوسيع مساحة الحرية، بما يجعل الأنساق داخل الدولة سلسة، وتحقق التوازن وتقلص الفوارق، فيصبح الإنسان ابن الوطن، قادرا على السير في طريق مستقيم على نهج سليم، يحمل أحلامه وأحلام مجتمعه بوعي، أينما حل أو ارتحل.