بين لغة الأرقام وواقع الأسر المغربية
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
من حق الحكومات أن تفتخر بالمشاريع الكبرى التي تنجزها، ومن الطبيعي أن تتحدث عن نسب النمو والاستثمارات والمؤشرات الاقتصادية. فهذه المعطيات مهمة في تقييم أداء الاقتصاد وفي جذب المستثمرين وبناء صورة إيجابية عن البلد. لكن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط مختلف تماما: ماذا تغير في حياتي اليومية؟
لقد أصبح المغرب يعيش مفارقة واضحة. فمن جهة، نسمع بشكل متواصل عن تقدم في بعض المؤشرات الاقتصادية، وعن أوراش استراتيجية كبرى، وعن طموحات تجعل المملكة فاعلا إقليميا ودوليا مهما. ومن جهة أخرى، يشتكي المواطن من غلاء الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الحصول على فرص الشغل، وارتفاع تكاليف المعيشة.
وهنا يبرز الفرق بين النجاح الاقتصادي والنجاح الاجتماعي. فالاقتصاد قد يسجل نموًا، لكن هذا النمو لا يصبح ذا معنى إذا لم ينعكس على حياة الناس. والمواطن لا يعيش داخل التقارير الدولية ولا داخل الجداول الإحصائية، بل يعيش داخل السوق والحي والمدرسة والمستشفى والبيت.
حين ترتفع أسعار المواد الأساسية، ويجد رب الأسرة صعوبة في تدبير نهاية الشهر، لا تعنيه كثيرا نسب النمو المعلنة. وحين يقضي شاب سنوات في البحث عن عمل دون جدوى، لا يشعر بأن المؤشرات الاقتصادية تتحدث عنه. وحين تضطر أسرة إلى الاستدانة لتغطية مصاريف التعليم أو العلاج، يصبح الحديث عن الإنجازات الاقتصادية بعيدًا عن واقعها اليومي.
المشكلة ليست في الأرقام في حد ذاتها، بل في الفجوة التي تتسع أحيانا بين الخطاب الرسمي والإحساس العام لدى المواطنين. فالثقة تبنى حين يشعر الناس أن السياسات العمومية تحسن حياتهم فعلا، لا فقط حين يسمعون أنها ناجحة.
لقد أثبتت تجارب كثيرة عبر العالم أن الدول التي تحقق استقرارا حقيقيا هي تلك التي تجعل الإنسان محور التنمية، لا مجرد رقم داخل المعادلات الاقتصادية. فالميناء والطريق السريع والمنطقة الصناعية كلها مشاريع مهمة، لكنها تصبح أكثر أهمية عندما تخلق فرص شغل، وتحسن الخدمات، وترفع مستوى عيش المواطنين.
ولهذا، فإن التنمية الحقيقية ليست مجرد ارتفاع في المؤشرات، بل شعور المواطن بأن مستقبله أفضل من حاضره. هي أن يجد الشاب فرصة للعمل، وأن تطمئن الأسرة على تعليم أبنائها، وأن يشعر المواطن بأن جهده يثمر حياة كريمة.
إن المغرب يمتلك إمكانيات كبيرة، ولا أحد ينكر أهمية الأوراش التي يعرفها. لكن التحدي الأكبر اليوم هو تحويل هذه الإنجازات إلى أثر اجتماعي ملموس يشعر به المواطن في تفاصيل حياته اليومية.
وفي النهاية، يمكن للتقارير أن تعطي صورة عن الاقتصاد، لكن الحكم الحقيقي يصدره المواطن من خلال تجربته اليومية. فالتنمية التي لا يلمسها الناس في معيشتهم تبقى بالنسبة لهم أرقاما بعيدة عن واقعهم، مهما بدت جميلة على الورق.
لأن المواطن، ببساطة، لا يعيش داخل التقارير.