غلاء يتصاعد… ومواطن يتأقلم: هل أصبح التعايش مع الأزمة بديلا عن حلها؟

0

افتتاحية الصباح

بقلم عبد الكريم ناصري
طالب باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

في صمت لافت، بدأ المغاربة يغيرون سلوكهم اليومي، لا عن قناعة، بل تحت ضغط واقع معيشي يزداد ثقلا يوما بعد يوم. لم يعد الغلاء موضوع نقاش عابر، بل تحول إلى جزء من الحياة اليومية، تتكيف معه الأسر بصمت، وتعيد ترتيب أولوياتها وفق إمكانيات تتآكل تدريجيا. هنا، لا تكمن الخطورة في ارتفاع الأسعار فقط، بل في تحول التأقلم إلى سلوك جماعي، وكأنه الحل الوحيد الممكن.
اليوم، لم يعد المواطن ينتظر انخفاض الأسعار، بل يبحث عن طرق للتعايش معها. تقليص المصاريف، التخلي عن بعض الكماليات، أحيانا حتى عن بعض الأساسيات، أصبح أمرا عاديا. هذا التكيف القسري يعكس قدرة المجتمع على الصمود، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالا مقلقا: هل بدأنا نعتاد على الأزمة بدل مواجهتها؟
المفارقة أن هذا “التأقلم” لا يعني أن المشكل قد تم حله، بل بالعكس، قد يساهم في إخفائه. فحين يصبح الغلاء أمرا عاديا، تتراجع حدة النقاش، ويضعف الإحساس بضرورة التغيير. وهنا يتحول الضغط من كونه دافعا للإصلاح، إلى عبء يتحمله المواطن وحده.
ولا يمكن قراءة هذا الوضع بمعزل عن اختيارات التدبير خلال المرحلة الأخيرة. فالكثير من المتتبعين يربطون بين ارتفاع تكاليف المعيشة وبين سياسات لم تنجح في تحقيق التوازن المطلوب، سواء على مستوى ضبط الأسواق أو حماية القدرة الشرائية. كما أن بعض التوجهات الكبرى، من بينها السياسات الفلاحية التي أطرت لسنوات ضمن ما عرف بالمخطط الأخضر، تثير اليوم نقاشا متجددا حول أولوياتها، خاصة في ما يتعلق بتوجيه الإنتاج، وتدبير الموارد، وانعكاس ذلك على الأسعار داخل السوق الوطنية.
صحيح أن هذه السياسات كانت تهدف إلى تطوير القطاع ورفع مردوديته، لكن السؤال المطروح اليوم هو: إلى أي حد انعكست إيجابا على المواطن البسيط؟ وهل تم تحقيق التوازن بين منطق التصدير ومتطلبات السوق الداخلية؟ أسئلة تفرض نفسها بقوة في ظل استمرار الغلاء، خاصة في المواد الأساسية.
إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في فهم أسباب هذا الوضع، بل في كسر منطق التعايش معه كأمر واقع. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الاستثناء إلى قاعدة، وأن يصبح الغلاء جزءا “طبيعيا” من الحياة، دون أفق واضح للحل.
في النهاية، قد يكون المغاربة قد أظهروا قدرة كبيرة على التأقلم، لكن الرهان الحقيقي لا يجب أن يكون في قدرة المواطن على التحمل، بل في قدرة السياسات على الاستجابة. فالتأقلم ليس حلا، بل مجرد تأجيل لمواجهة تفرض نفسها يوما بعد يوم.
فهل نملك اليوم الجرأة للانتقال من التعايش مع الأزمة إلى معالجتها فعليا؟ أم سنواصل التأقلم… إلى أن يصبح الغلاء هو القاعدة؟