أوزين يعيد للخطاب السياسي هيبته في زمن الشعبوية

0

في زمنٍ أصبحت فيه السياسة تقاس بسرعة التصريحات وحدّة السجالات، يبرز أحيانا صوت مختلف، لا يبحث عن الضجيج بقدر ما يسعى إلى ترميم المعنى الحقيقي للعمل السياسي. ذلك ما جسده ظهور محمد أوزين في البرنامج الحواري “للحديث بقية” على القناة الأولى؛ ظهور لم يكن قائما على الاستعراض الخطابي، بل على محاولة إعادة الاعتبار للفكرة الهادئة وسط فوضى المواقف المتسرعة.

ما شد الانتباه في حديث أوزين ليس فقط أسلوبه اللغوي المتماسك، بل طبيعة الرؤية التي حملها. فقد بدا واضحا أن الرجل لا يتحدث بمنطق السياسي الذي يبحث عن تسجيل نقاط ظرفية، وإنما بمنطق الفاعل السياسي الذي يدرك أن المغرب يعيش مرحلة تحتاج إلى خطاب يزرع الثقة أكثر مما يوزع الاتهامات. كان حديثه أقرب إلى قراءة هادئة لمزاج الشارع المغربي، بكل ما يحمله من تعب وانتظارات وأسئلة معلّقة.

لقد نجح أوزين في تقديم صورة مختلفة عن المعارضة؛ معارضة لا تعرف نفسها بالصراخ، ولا تعتبر الاختلاف خصومة دائمة، بل ترى أن دورها الحقيقي يكمن في التقويم والاقتراح والدفاع عن التوازن الديمقراطي. وهذه النقطة تحديدا هي ما منح خطابه عمقا سياسيا واضحا، لأنه أعاد النقاش إلى جوهره: كيف يمكن للسياسة أن تكون أداة لبناء الثقة بدل تكريس الانقسام؟

الأكثر أهمية أن أوزين لم يقع في فخ اللغة التقنية الباردة التي تقصي المواطن العادي من النقاش العمومي. كان واعيا بأن المغاربة لم يعودوا يبحثون عن الخطب المعلبة، بل عن خطاب يشعرهم بأن السياسي يفهم قلقهم اليومي؛ قلق القدرة الشرائية، وفرص الشغل، والتعليم، والصحة، والعدالة المجالية. لذلك بدا حديثه قريبا من الناس، لا باعتباره محاولة شعبوية لكسب التعاطف، بل باعتباره إدراكا بأن السياسة تفقد مشروعيتها حين تنفصل عن نبض المجتمع.

وفي عمق مداخلته، برز بوضوح ذلك البعد المتعلق بالدفاع عن فكرة الدولة الاجتماعية، ليس كشعار ظرفي، بل كاختيار يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، وإلى توزيع عادل لثمار التنمية. فقد حمل كلامه إشارات ضمنية إلى أن التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها المغرب لا يمكن تجاوزها فقط بالأرقام والتقارير، وإنما بإحياء الثقة بين المواطن والمؤسسات، وهي الثقة التي تُبنى بالإنصات والوضوح وربط المسؤولية بالمحاسبة.

كما أن ما ميز هذا الظهور هو حضور الحس الوطني الهادئ؛ ذلك النوع من الخطاب الذي ينتقد دون أن يهدم، ويعارض دون أن يسقط قيمة المؤسسات. وهي نقطة أصبحت نادرة في مشهد سياسي ينجرف أحيانا نحو الشعبوية أو نحو لغة التشكيك الدائم. لقد بدا أوزين مدركا أن قوة السياسي لا تكمن فقط في حجم انتقاده، بل في قدرته على تقديم أفق ممكن، ورؤية تجعل المواطن يؤمن أن المستقبل لا يزال قابلًا للإصلاح.

إن السياسة في جوهرها ليست معركة من أجل الظهور، بل مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع، وربما هذا ما حاول أوزين أن يعكسه في هذا اللقاء الإعلامي. فقد ظهر بصورة السياسي الذي يوازن بين الجرأة والاتزان، بين الدفاع عن مواقفه واحترام ذكاء المتلقي، وبين ممارسة النقد والمحافظة على منسوب الأمل داخل الفضاء العام.

في النهاية، لم يكن هذا الظهور مجرد محطة تلفزية عابرة، بل لحظة سياسية حملت رسائل أعمق من تفاصيل الحوار نفسه. رسائل تقول إن المغرب لا يحتاج فقط إلى برامج ومشاريع، بل يحتاج أيضًا إلى خطاب سياسي ناضج، يعيد للمواطن إحساسه بأن هناك من يتحدث إليه بصدق، لا من فوقه. وفي هذا السياق، بدا محمد أوزين كأحد الأصوات التي تحاول أن تمنح السياسة معناها الإنساني والوطني من جديد، في زمن أصبحت فيه المصداقية عملة نادرة، وأصبح فيه المواطن أكثر حاجة إلى من يخاطب عقله قبل عواطفه.