“سياسيون ينتقدون أنفسهم”.. حين يتحول المشهد الحزبي إلى مصدر حيرة للشباب المغربي

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

في الوقت الذي ينتظر فيه المغاربة، وخاصة فئة الشباب، خطابا سياسيا واضحا ومنسجما يعيد الثقة في العمل الحزبي، تفرز الساحة السياسية مشاهد متناقضة تطرح أكثر من علامة استفهام حول طبيعة الممارسة السياسية اليوم، وحول مدى انسجام الفاعلين السياسيين مع مواقعهم ومسؤولياتهم الحزبية والحكومية.

المشهد الأول يتعلق بعضو في المكتب السياسي لأحد الأحزاب، اختار أن يخرج عبر مواقع التواصل الاجتماعي لينتقد بشكل مباشر الممارسة الحزبية والمسؤولين السياسيين، متحدثا عن ضعف التأطير وغياب الجدية وهيمنة المصالح الضيقة داخل العمل السياسي. غير أن هذا الخطاب أثار استغراب عدد من المتابعين، بالنظر إلى أن صاحبه ليس مراقبا خارجيا أو فاعلا مدنيا مستقلا، بل قيادي حزبي يوجد في قلب المؤسسة الحزبية نفسها ويتحمل جزءا من المسؤولية في ما ينتقده.

هذا التناقض، بحسب متابعين، يعكس أزمة متنامية داخل عدد من الأحزاب، حيث أصبح بعض القياديين يفضلون توجيه الرسائل عبر “فيسبوك” و“اللايفات” بدل فتح نقاشات تنظيمية حقيقية داخل مؤسسات أحزابهم، الأمر الذي يساهم في تكريس صورة سلبية عن العمل السياسي ويغذي فقدان الثقة لدى المواطنين.

أما المشهد الثاني، فيرتبط بوزير وأمين عام لحزب يشكل جزءا من الأغلبية الحكومية، والذي دأب خلال خرجاته الحزبية في نهايات الأسبوع على توجيه انتقادات مبطنة للحكومة والدعوة إلى “تقوى الله” والاقتراب أكثر من هموم المواطنين، في خطاب يحمل أحيانا نبرة معارضة أكثر منها خطاب مسؤول حكومي مشارك في تدبير الشأن العام.

هذا الوضع يضع الرأي العام أمام مفارقة سياسية غريبة: كيف يمكن لوزير يشارك في اتخاذ القرار الحكومي أن يتحول في التجمعات الحزبية إلى منتقد للأداء الحكومي؟ وكيف يمكن للمواطن أن يفهم الحدود الفاصلة بين من يحكم ومن يعارض، إذا كانت نفس الوجوه تمارس الدورين معا؟

ويرى عدد من المتابعين أن هذه الازدواجية في الخطاب السياسي تساهم بشكل مباشر في تعميق أزمة الثقة، خصوصا لدى الشباب الذين يبحثون عن وضوح في المواقف وربط حقيقي للمسؤولية بالمحاسبة. فحين يصبح السياسي ناقدا لنفسه ولحكومته ولحزبه في الآن ذاته، يفقد المواطن القدرة على تحديد المسؤوليات، ويتحول المشهد السياسي إلى حالة من التشويش المستمر.

كما أن هذه الممارسات، بحسب مهتمين بالشأن العام، تكشف عن غياب الانسجام التحالفات الحكومية، حيث بات الخطاب السياسي يخضع أحيانا لمنطق التموقع الانتخابي المبكر أكثر من خضوعه لمنطق المسؤولية الجماعية والتضامن الحكومي.

وفي ظل هذا الواقع، يجد الشباب المغربي نفسه أمام مشهد سياسي مرتبك: أحزاب تنتقد نفسها، ووزراء يهاجمون حكوماتهم، وقيادات تتحدث بلغة المعارضة وهي تمارس السلطة. مشهد يطرح سؤالا عريضا حول مستقبل الثقة في السياسة، وحول قدرة الفاعل الحزبي المغربي على تقديم خطاب واضح، صادق، ومنسجم مع موقعه الحقيقي داخل الدولة والمجتمع.