دراسة ميدانية تكشف اختلالات في تدبير الهجرة وتدعو لإدماج المهاجر كشريك استراتيجي في التنمية

0

كشفت دراسة تشخيصية ميدانية حديثة عن وجود اختلالات واضحة في تدبير ملف الهجرة على المستوى المحلي بجماعات إقليم الفقيه بن صالح، مسجلة غياب قواعد بيانات دقيقة وضعف التنسيق المؤسساتي، ومبرزة الحاجة الملحة إلى تجاوز المقاربة التقليدية التي تختزل دور المهاجر في التحويلات المالية، نحو رؤية تنموية شاملة تعتبره فاعلا أساسيا في الرأسمال اللامادي والبشري وشريكا محوريا في التنمية المجالية.

وجاء تقديم هذه الدراسة ضمن أشغال يوم دراسي احتضنه المركب الثقافي بمدينة الفقيه بن صالح، الإثنين الماضي، تحت عنوان الهجرة والتنمية الترابية من التشخيص التشاركي إلى بناء نموذج ترابي لإدماج المهاجر، بشراكة بين ماستر الهجرة والتنمية الترابية التابع لجامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال، ومختبر دينامية المشاهد والمخاطر والتراث، وجمعية أم الربيع للتنمية المندمجة، وجمعية الخاوة العمرية الموساوية بالمهجر، وجمعية الباحثين الجغرافيين في الماء والبيئة، بالإضافة إلى المجلس الجماعي للمدينة.

وشهد هذا الحدث توقيع اتفاقية شراكة وتعاون استراتيجي بين جمعية الخاوة العمرية الموساوية بالمهجر ممثلة برئيسها الحبيب حكيم، وماستر التميز في الهجرة والتنمية الترابية ممثلا بمنسقه محسن إدالي، بهدف فتح المجال أمام الطلبة الباحثين لإنجاز دراسات ميدانية معمقة تلامس القضايا الراهنة للمهاجرين، وتعزيز دور الجمعية كقوة اقتراحية لمشاريع البحث العلمي التي تخدم قضايا التنمية والهجرة محليا.

وأبرزت نتائج الدراسة التي أنجزها ثلاثة وخمسون طالبا وطالبة، بعد عمل ميداني استمر لأربعة أشهر متواصلة تحت إشراف منسق اليوم الدراسي بوعزة سلاك، أن نسبة كبيرة من الجماعات الترابية لا تتوفر على معطيات حول الهجرة، وأن إدماج هذا الموضوع في وثائق التشخيص وبرامج العمل لا يزال محدودا وغير ممنهج، رغم رصد الباحثين لوجود وعي متزايد بأهمية المهاجر ودوره التنموي، والذي يفتقر إلى تنزيل مؤسساتي قادر على استثمار الرأسمال المعرفي للجالية المغربية بالخارج، حسب ما أفادت به مصادر من اللقاء.

وأظهرت الدراسة التشخيصية إحاطة دقيقة بمجموعة من المحاور المركزية، شملت تشخيص واقع الهجرة، والحكامة الترابية المرتبطة بها، وطرق إدماجها في التخطيط والمشروع الترابي، إضافة إلى رصد مشاركة المهاجرين واستثماراتهم، وتثمين خبراتهم، فضلا عن تحليل آليات التمويل والتتبع والتقييم، مع استعراض تجارب دولية ناجحة في هذا المجال.

واقترحت المخرجات العلمية تنزيل مشاريع ترابية تستهدف إدماج المهاجرين بفعالية، من أبرزها إحداث مرصد ترابي للهجرة بالفقيه بن صالح كآلية للرصد والتخطيط والاستشراف ودعم اتخاذ القرار، إلى جانب برمجة مشاريع صناعية ولوجستيكية تستثمر تحويلات المهاجرين لخلق فرص الشغل، مع التأكيد على ضرورة الانتقال من التدبير المناسباتي إلى حكامة استراتيجية، والاستفادة من تجارب دول كالمكسيك والهند والسنغال وإسبانيا وإيطاليا في تعبئة الجاليات لخدمة التنمية.

وأكد عزالدين غازي، ممثل عمالة الفقيه بن صالح ورئيس قسم الشؤون الاقتصادية بها، في الجلسة الافتتاحية على انخراط مختلف مكونات الإدارة الترابية في دعم المبادرات البحثية لمواكبة الأوراش التنموية الوطنية، داعيا الأكاديميين للانخراط الفعلي في الديناميات التنموية بالإقليم، في حين اعتبر محسن إدالي، منسق الماستر، أن مغاربة العالم يشكلون سفراء للمغرب في الدفاع عن هويته وتراثه وتتزايد أدوارهم في التنمية الترابية، مما يحتم مواكبة هذه التحولات عبر البحث الأكاديمي.

وأوضح الحبيب حكيم، رئيس جمعية الخاوة العمرية الموساوية بالمهجر، أن انخراط إطاره المدني يأتي امتدادا لمحطات ملتقى المهاجر الناجحة، معتبرا الشراكة مع الجامعة مدخلا لفهم قضايا المهاجرين، فيما شدد المكاوي عبد الرزاق، ممثل جمعية أم الربيع للتنمية المندمجة، على ضرورة اعتماد البحث العلمي كآلية أساسية وبناء نموذج ترابي تشاركي يجمع المؤسسات والمجتمع المدني والجامعة.

من جانبه، شدد طارق العرفي، رئيس جمعية الباحثين الجغرافيين في الماء والبيئة، في مداخلة بيئية مدعمة بمعطيات محطات مناخية، على أهمية إدراج البعد الطبيعي ضمن مقاربة الهجرة، مبرزا انعكاسات التراجع التساقطي وارتفاع الحرارة على إقليم الفقيه بن صالح الذي يعتمد اقتصاده على الفلاحة، ومطالبا بالبحث عن بدائل اقتصادية تتكيف مع التحولات المناخية وتحدياتها المجالية.

وأضافت تورية لمبعد، رئيسة شعبة الجغرافيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ببني ملال، أن اللقاء يشكل فرصة سانحة للطلبة للانفتاح على الفاعلين الترابيين، بينما تطرق الباحث عبد الغني الدباغي إلى تأثير الهجرة الدولية بهوامش المدينة ومساهمتها في إعادة تشكيل المجال الحضري ديناميا واجتماعيا وعمرانيا، معتبرا أن إدماجها في المشروع المحلي ما يزال يحتاج إلى آليات نجاعة في التخطيط.

وركزت الخبيرة جيهان لحرور في عرض قدمته بالمناسبة على المقاولة كرافعة لتحريك التنمية الاقتصادية وآلية لإدماج المهاجرين في المشروع المحلي، مشددة على ضرورة الاستفادة من كفاءات المهاجرين لخلق قيمة مضافة داخل إقليم يصنف كمجال هجري بامتياز، ومستعرضة شروط المقاولة الناجحة ومراحل إعداد دراسات الجدوى.

وتابع بوعزة سلاك، ممثل اللجنة المنظمة، التأكيد على أهمية البحث العلمي الإجرائي في معالجة القضايا الترابية عبر مقاربة تشاركية، مبرزا رهان تقوية دور الفاعل المحلي لإرساء نموذج تنموي مبتكر، وموجها شكر اللجنة للفاعلين الترابيين، وعلى رأسهم عامل إقليم الفقيه بن صالح والمجلس الجماعي والجماعات الترابية والجمعيات الشريكة التي سهلت مأمورية البحث الميداني.

وخلص المشاركون في نهاية اليوم الدراسي إلى صياغة توصيات عملية، شملت الدعوة لخلق مرصد إقليمي وجهوي للهجرة يجمع البيانات لدعم صناع القرار، وتعزيز التأطير المقاولاتي لتوجيه استثمارات مغاربة العالم، وتصميم برامج للإدماج الاقتصادي للمهاجرين من دول جنوب الصحراء لا سيما في القطاع الفلاحي لسد الخصاص، مع تطوير الشراكات الأكاديمية بين الفاعلين، والإشادة بالدور الكبير الذي يقوم به ملتقى المهاجر بالمدينة كفضاء سنوي يعزز روابط الانتماء ويدعم الدينامية التنموية المحلية.