صوتك ليس رقما… بل فرصة لصناعة التغيير

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

في كل محطة انتخابية يتكرر نفس المشهد: آلاف الشباب والمواطنين يشتكون من الأوضاع، ينتقدون الواقع، ويتحدثون عن الحاجة إلى التغيير، لكن في المقابل، يختار جزء كبير منهم الابتعاد عن التسجيل في اللوائح الانتخابية أو المشاركة في التصويت. وكأن السياسة أصبحت بالنسبة للبعض شأنًا بعيدًا لا علاقة له بحياتهم اليومية، رغم أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا.

فالانتخابات ليست مجرد موعد عابر أو طقس سياسي يتكرر كل بضع سنوات، بل لحظة يحدد فيها المواطن من سيتخذ القرارات التي تؤثر على حياته اليومية: التعليم، الصحة، الشغل، الأسعار، النقل، والقدرة الشرائية. ولذلك، فإن ترك المجال فارغًا لا يعني الحياد، بل يعني السماح للآخرين باتخاذ القرار بدلًا عنا.

صحيح أن كثيرًا من المواطنين فقدوا الثقة في جزء من الممارسة السياسية بسبب الوعود التي لم تتحقق، والصراعات التي أضعفت صورة العمل السياسي، لكن الجواب على هذا الواقع لا يكون بالانسحاب، بل بالمشاركة الواعية والمسؤولة. لأن المقاطعة لا تغيّر الواقع، بينما المشاركة قادرة على خلق توازن جديد وفتح المجال أمام وجوه وأفكار مختلفة.

إن التسجيل في اللوائح الانتخابية ليس مجرد إجراء إداري، بل خطوة أولى نحو استرجاع المواطن لدوره الحقيقي داخل المجتمع. فالديمقراطية لا تبنى فقط بالشعارات، بل بمواطن يشارك ويحاسب ويختار ويُعبّر عن رأيه عبر المؤسسات.

والمؤسف أن فئة واسعة من الشباب، وهي الأكثر حديثا عن التغيير، تبقى أحيانا الأقل حضورًا في العملية الانتخابية. والحال أن الشباب ليسوا فقط مستقبل البلاد، بل حاضرها أيضًا. وإذا غاب صوتهم عن صناديق الاقتراع، فمن الطبيعي أن يستمر الآخرون في رسم المشهد بدلهم.

لقد أثبتت تجارب كثيرة عبر العالم أن التغيير لا يحدث دفعة واحدة، ولا يأتي من خارج المجتمع، بل يبدأ بخطوات بسيطة لكنها مؤثرة. وأول هذه الخطوات أن يشعر المواطن بأن صوته له قيمة، وأن المشاركة ليست دعمًا لشخص أو حزب فقط، بل دفاع عن حقه في التأثير على مستقبل بلده.

كما أن التسجيل والمشاركة لا يعنيان التصويت العاطفي أو الأعمى، بل يفرضان على المواطن أيضًا أن يختار بوعي، وأن يقرأ البرامج، ويقيّم الحصيلة، ويفرق بين من يشتغل بجدية ومن يكتفي بالشعارات والوعود.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس الاختلاف السياسي، بل أن يفقد المواطن الإيمان بأن صوته قادر على إحداث الفرق. لأن الديمقراطية تبدأ في التراجع حين يشعر الناس أن المشاركة بلا جدوى.

وفي المقابل، فإن كل صوت واعٍ ومسؤول هو مساهمة حقيقية في بناء مغرب أفضل، وفي تقوية المؤسسات، وفي دفع الأحزاب والسياسيين إلى احترام ذكاء المواطنين وتقديم الأفضل.

وفي النهاية، قد لا يغيّر صوت واحد كل شيء دفعة واحدة، لكنه بالتأكيد جزء من التغيير الذي ينتظره الجميع. فالأوطان لا تتغير بالصمت، بل بمواطنين يقررون أن يكونوا جزءًا من صناعة المستقبل بدل الاكتفاء بمشاهدته من بعيد.

لذلك، يبقى التسجيل في اللوائح الانتخابية أكثر من مجرد إجراء… إنه إعلان بأن المواطن ما زال يؤمن أن التغيير ممكن، وأن صوته يستحق أن يُسمع.