جامعة ابن طفيل بالقنيطرة… مدينة جامعية تستحق حكامة بمستوى طموحها.

0

بقلم الدكتور مصطفى صغيري
استاذ القانون العام والعلوم السياسية

تكشف المدن عن مستوى حكامتها في تفاصيلها اليومية أكثر مما تكشفه مشاريعها الكبرى، ولذلك، لم يكن من قبيل الصدفة أن يؤكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس أن “إصلاح الإدارة يتطلب تغيير السلوكات والعقليات، وجودة التشريعات، من أجل مرفق إداري عمومي فعال، في خدمة المواطن”. ومن هذا المنطلق، لا تعرف المدن الحديثة فقط بما تشيده من بنايات ومنشآت، وإنما أيضا بما توفره من جودة في العيش، وما تمنحه لمرتادي مرافقها العمومية من إحساس بالأمن والطمأنينة، لأن جودة المدينة لا تظهر فقط في مشاريعها الكبرى، بل أيضاً في تفاصيلها اليومية. فالحكامة ليست مفهوما نظريا يتداول في الندوات أو يدرج في التقارير الرسمية، بل هي ممارسة يومية تتجسد في حسن تدبير المجال العام، وفي العناية بالتفاصيل التي تصنع الفرق بين مدينة تؤدي وظائفها بكفاءة، وأخرى تظل فيها بعض الاختلالات اليومية تلقي بظلالها على قيمة المنجزات الكبرى.
وفي هذا السياق، لا يمكن إلا أن نشيد بما حققته مدينة القنيطرة من تطور في مجال التعليم العالي، بعدما أصبحت تحتضن قطبا جامعيا متكاملا يضم مختلف الكليات والمؤسسات التابعة لجامعة ابن طفيل. لقد شكل قرار تجميع مختلف المؤسسات الجامعية داخل قطب واحد خيارا عمرانيا وأكاديميا موفقا، منح المدينة هوية جامعية متميزة، وخلق فضاء علميا متكاملا يخدم الطلبة والباحثين، ويعزز مكانة القنيطرة ضمن أهم المدن الجامعية بالمملكة.
ويزداد هذا النجاح وضوحا بفضل الموقع الاستراتيجي للمدينة الجامعية، سواء من حيث قربها من محطة القطار، أو من مدخل المدينة عبر الطريق السيار، وهو ما يسهل الولوج إليها بالنسبة لآلاف الطلبة والباحثين والزوار القادمين من مختلف جهات المملكة، وهي ليست مجرد تفاصيل عمرانية، بل اختيارات استراتيجية تعكس وعيا بأهمية ربط الجامعة بشبكات النقل، بما ييسر الولوج إليها ويعزز جاذبيتها.
غير أن جودة أي مشروع عمومي لا تقف عند حدود إنجازه، بل تمتد إلى كيفية تدبير محيطه اليومي وصيانة مكتسباته، فالمشاريع الكبرى لا تكتمل بجودة تصميمها أو بسهولة الولوج إليها، وإنما أيضا بقدرة المؤسسات على تدبير محيطها، لأن التفاصيل الصغيرة كثيرا ما تتحول إلى المعيار الحقيقي الذي يقيس به المواطن جودة المرفق العمومي.
وخلال فترة مباريات الولوج إلى مؤسسات التعليم العالي، استوقفني، كما استوقف غيري، الانتشار الملحوظ للكلاب الضالة داخل محيط المدينة الجامعية، وفي بعض فضاءاتها المفتوحة.


وقد يرى البعض أن الأمر لا يعدو أن يكون مشهدا عاديا بحكم انتشار هذه الظاهرة في عدد من المدن المغربية، غير أن القراءة المتأنية تكشف أن القضية أعمق من مجرد وجود حيوانات ضالة، لأنها تطرح سؤالا حول جودة تدبير الفضاء العمومي، ومدى قدرة المؤسسات على استباق مثل هذه الإشكالات ومعالجتها.
إن جودة المرفق العمومي لا تختبر عندما تكون الأمور على ما يرام، بل عندما ينجح في معالجة التفاصيل التي يعتبرها البعض ثانوية.
وللتوضيح، فإن هذا الطرح لا يفهم بأي حال من الأحوال على أنه دعوة إلى الإساءة إلى الحيوانات أو اعتماد مقاربات تتنافى مع قيم الرفق بها، فالمغرب تبنى خلال السنوات الأخيرة توجها أكثر إنسانية في تدبير هذا الوضع، يقوم على التعقيم والتلقيح والحد من التكاثر، وهو توجه حضاري يستحق الدعم والتطوير.
لكن، في المقابل، فإن احترام الحيوان لا ينبغي أن يكون على حساب حق الإنسان في الاستفادة من فضاءات عمومية آمنة ومنظمة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمرافق تستقبل يوميا آلاف الطلبة والأسر والزوار، وتعد واجهة علمية وحضارية للمدينة.
ومن الناحية القانونية، ينبغي التأكيد على أن تدبير ظاهرة الكلاب الضالة لا يدخل ضمن اختصاصات جامعة ابن طفيل، ولا يجوز تحميلها مسؤولية تتجاوز مهامها الأكاديمية والإدارية، فهذا الاختصاص يندرج، وفق الإطار القانوني المنظم للجماعات الترابية، ضمن مسؤوليات الجماعة الترابية، بتنسيق مع السلطات المحلية والمصالح البيطرية والجهات المختصة. ومن ثم، فإن المطلوب ليس البحث عن جهة لتحميلها المسؤولية، وإنما تعزيز التنسيق المؤسساتي بين مختلف المتدخلين، بما يضمن معالجة هذا المشهد وفق مقاربة وقائية ومستدامة.
فالحكامة الترابية لا تختزل في مدى توزيع الاختصاصات بين المؤسسات، وإنما بقدرتها على الالتقاء حول هدف واحد هو خدمة المواطن، وعندما يتعلق الأمر بفضاءات ذات رمزية علمية، كالجامعات، فإن أي اختلال، مهما بدا بسيطا، ينعكس على صورة المدينة، وعلى الانطباع الذي يحمله الزائر عنها. ويجد هذا الطرح سنده أيضا في فلسفة دستور 2011، الذي جعل من جودة الخدمات العمومية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحسن تدبير المرافق العمومية، من مرتكزات الحكامة الجيدة.
نجحت القنيطرة في أن تبني نموذجا جامعيا يستحق الإشادة، وتوفقت في توفير بنية تحتية حديثة، وربط المدينة الجامعية بشبكات النقل بشكل ييسر الولوج إليها، وهي مكتسبات حقيقية ينبغي الحفاظ عليها وتعزيزها، بيد أن المحافظة على هذا النجاح تقتضي، بالقدر نفسه، العناية بجودة الفضاء العام، ومعالجة الاختلالات اليومية التي قد تبدو صغيرة في ظاهرها، لكنها كبيرة في أثرها على صورة المدينة وجودة مرافقها.
فالفضاء الجامعي ليس مجرد مجال عمراني، بل هو فضاء يفترض أن يوفر شروط الأمن النفسي والجسدي لمختلف مرتاديه، لاسيما خلال فترات الامتحانات والمباريات التي تعرف توافد أعداد كبيرة من المترشحين وأسرهم، لذلك فإن أي اختلال يمس هذا الإحساس بالأمن، مهما بدا محدودا، يستحق أن يعالج في إطار مقاربة استباقية تحفظ جودة المرفق العمومي وتعزز الثقة فيه.
إن الإسمنت يبني المدن، لكن الحكامة هي التي تمنحها روحها، فالمدن لا تصنع بالإسمنت وحده، بل تصنع أيضا بحسن التدبير، والجامعات لا تقاس فقط بجودة برامجها الأكاديمية، بل كذلك بجودة محيطها، فالمواطن لا يتذكر دائما حجم المشاريع التي أنجزت، بقدر ما يتذكر كيف شعر وهو يعبر الفضاء العمومي، وهل وجد فيه النظام والطمأنينة والاحترام.
وإذا كانت القنيطرة قد نجحت في بناء مدينة جامعية واعدة، فالحفاظ على صورتها كمدينة جامعية نموذجية مسؤولية جماعية، تتقاسمها مختلف المؤسسات، كل من موقع اختصاصه، فهل آن الأوان لأن يواكب هذا النجاح العمراني مستوى مماثل من الحكامة اليومية، حتى تصبح المدينة الجامعية نموذجا متكاملا في البنية والتدبير معا؟
فالحكامة الحقيقية لا تبدأ من المشاريع الكبرى، وإنما تبدأ من التفاصيل التي تصنع ثقة المواطن في مؤسساته، وتمنح للمدينة صورتها الحضارية التي تستحقها.