بعد نجاح “جا الوقت”.. لماذا يخاف البعض من الدينامية الجديدة للحركة الشعبية؟

0

بقلم عبد الكريم ناصري
عضو المجلس الوطني لحزب الحركة الشعبية
رئيس لجنة مراقبة مالية الحزب

على إثر النجاح الكبير الذي حققته التظاهرة السياسية والتواصلية التي نظمتها الحركة الشعبية تحت شعار “جا الوقت”، خرجت بعض الأصوات والقراءات المتسرعة بمحاولات للتشويش على هذه الدينامية الجديدة، عبر الحديث عن “مقاطعة” مزعومة لبعض أعضاء المكتب السياسي أو اللجنة الوطنية المكلفة بالتزكيات، وربط ذلك بادعاءات لا أساس لها من الصحة حول التحكم في مسار التزكيات.

ومن موقعي كعضو مجلس وطني للحزب، أؤكد أن هذه الادعاءات لا تعكس سوى عجز أصحابها عن فهم التحول الحقيقي الذي تعيشه الحركة الشعبية اليوم. فالسيد محمد كوسكوس، رئيس اللجنة الوطنية المكلفة بالتزكيات، يوجد حاليا بالديار المقدسة لأداء مناسك الحج، وبالتالي فإن غيابه أمر طبيعي لا يحتمل أي تأويل سياسي أو تنظيمي. كما أن حضور جميع أعضاء المكتب السياسي في كل محطة حزبية ليس شرطا تنظيميا، ولا معيارا لقياس نجاح أي نشاط سياسي، لأن الأحزاب الحية تشتغل بمنطق المؤسسات وتوزيع الأدوار، وليس بمنطق الصور البروتوكولية.

إن الرسالة الحقيقية التي حملتها مبادرة “جا الوقت” كانت أعمق بكثير من كل هذه القراءات السطحية. فهذه المبادرة ليست مجرد شعار ظرفي أو حملة تواصلية عابرة، بل هي تعبير سياسي وفكري عن مشروع مجتمعي جديد تسعى الحركة الشعبية إلى طرحه أمام المغاربة في أفق استحقاقات 2026، مشروع يضع المواطن في صلب السياسات العمومية، ويعيد الاعتبار للطبقة الوسطى، وللشباب، وللعالم القروي، وللمقاولة الصغرى، وللكرامة الاجتماعية.

“جا الوقت” تعني أن الوقت قد حان لسياسات جديدة تحمي القدرة الشرائية للمغاربة، من خلال إجراءات جريئة مثل الحساب الضريبي الاجتماعي للأسر المغربية، وربط الدعم الاجتماعي بالعدالة الحقيقية، ومحاربة المضاربة والاحتكار عبر منصات شفافة لرصد الأسعار. كما تعني أن الوقت قد حان لإنهاء البيروقراطية القاتلة للمقاولين الشباب، عبر رقمنة شاملة تجعل من الهاتف مقاولة متنقلة، وتفتح المجال أمام جيل جديد من الشباب الحامل للمشاريع والأفكار.

“جا الوقت” تعني أيضا أن العالم القروي لم يعد يمكن أن يبقى هامشا منسيا، بل يجب أن يتحول إلى فضاء للحياة الكريمة والإنتاج والثروة، عبر أقطاب قروية متكاملة، وخدمات صحية وتعليمية قريبة من المواطن، وربط حقيقي بين المنتج القروي والأسواق الوطنية والدولية.

كما أن هذه المبادرة تحمل رسالة واضحة للشباب المغربي: أن الحركة الشعبية لم تعد حزبا منغلقا على النخب التقليدية، بل فضاء مفتوح للكفاءات الجديدة، وللطاقات الشابة، وللأفكار المبتكرة، بغض النظر عن الخلفيات الاجتماعية أو الجغرافية. ولهذا كان الحضور القوي للوجوه الشابة في تظاهرة السبت رسالة سياسية مقصودة تؤكد أن الحزب اختار فعليا تجديد نخبته وخطابه وأدوات اشتغاله.

وكل من يحاول اختزال هذه الدينامية في حسابات ضيقة أو صراعات وهمية، فهو ببساطة غير مستوعب لحجم التحول الذي تعرفه الحركة الشعبية اليوم، وغير قادر على قراءة المزاج السياسي الجديد داخل الحزب، الذي أصبح يؤمن بأن السياسة الحقيقية هي القدرة على تقديم حلول جريئة وملموسة للمغاربة، وليس فقط إعادة إنتاج نفس الخطابات المستهلكة.

وأخيرا، فإن ما ميز تظاهرة السبت ليس فقط حجم الحضور أو قوة التنظيم، بل الروح الجديدة التي طبعتها. لقد كانت بحق نتاجا حركيا خالصا، أبدع فيه شباب الحزب بكفاءة عالية، وبأفكار عصرية، وبرؤية تواصلية حديثة تؤكد أن الحركة الشعبية تمتلك اليوم جيلا جديدا قادرا على صناعة الحدث السياسي بلغة مختلفة، وبنفس جديد، وبثقة كبيرة في المستقبل.

“جا الوقت”… ليست مجرد عبارة، بل إعلان سياسي عن بداية مرحلة جديدة داخل الحركة الشعبية.