الصحراء المغربية… حين تنتصر الدبلوماسية الهادئة للمغرب
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
لم تعد قضية الصحراء المغربية اليوم مجرد ملف إقليمي عالق داخل أروقة الأمم المتحدة، بل أصبحت نموذجا لتحول دبلوماسي عميق قاده المغرب بثبات وهدوء ورؤية استراتيجية واضحة. فبعد سنوات طويلة من المناورات السياسية والخطابات الإيديولوجية التي عطلت مسار الحل، يبدو أن المنتظم الدولي بدأ يقتنع أكثر من أي وقت مضى بأن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ليست فقط مقترحا سياسيًا، بل الحل الواقعي والعملي الوحيد لإنهاء هذا النزاع المفتعل.
وفي هذا السياق، جاءت مداخلة السفير الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة، عمر هلال، أمام المؤتمر الإقليمي للجنة الـ24 بماناغوا، لتؤكد أن الملف دخل مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من منطق الشعارات إلى منطق الحلول الواقعية.
لقد كان واضحًا في الرسالة المغربية أن قضية الصحراء لم تعد تدار بمنطق “تصفية الاستعمار” كما تحاول بعض الأطراف الترويج له، بل أصبحت ملفا يندرج ضمن اختصاص مجلس الأمن الدولي باعتباره قضية مرتبطة بالسلم والأمن الإقليميين. وهو تحول دبلوماسي مهم يعكس حجم التقدم الذي حققته المملكة داخل المنتظم الدولي.
فالقرار الأممي 2797 لم يكن مجرد قرار تقني عابر، بل محطة سياسية كرست بشكل واضح أولوية الحل السياسي الواقعي والعملي، مع تعزيز دور المبادرة المغربية للحكم الذاتي باعتبارها أرضية جدية وذات مصداقية لتسوية النزاع.
وما يميز المقاربة المغربية هو أنها لم تكتفِ بالدفاع السياسي والدبلوماسي عن الوحدة الترابية، بل انتقلت إلى مرحلة المبادرة العملية، عبر تقديم تصور واضح ومفصل للحكم الذاتي، والانخراط الجدي في النقاشات الدولية، سواء في واشنطن أو مدريد أو داخل المؤسسات الأممية.
وفي المقابل، أصبحت الأطراف الأخرى تبدو أكثر عزلة وارتباكا، خصوصا مع تنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية، والذي تجاوز اليوم 130 دولة عضو بالأمم المتحدة، في مؤشر واضح على أن العالم بدأ يحسم موقفه تدريجيًا لصالح الطرح المغربي الواقعي.
كما أن المغرب لم يربح فقط معركة الدبلوماسية، بل ربح أيضا معركة التنمية داخل الأقاليم الجنوبية. فالصحراء المغربية اليوم ليست مجرد شعار سياسي، بل ورش تنموي كبير تقوده الرؤية الملكية، من خلال مشاريع البنيات التحتية، والطاقات المتجددة، والاقتصاد الأزرق، والاستثمارات الاجتماعية والاقتصادية التي جعلت من مدن الجنوب نموذجًا للتحول التنموي داخل القارة الإفريقية.
وهذا ما يزعج خصوم الوحدة الترابية، لأن الواقع على الأرض أصبح أقوى من خطابات الماضي. فبينما يواصل المغرب بناء الطرق والموانئ والمشاريع الكبرى، ما تزال بعض الأطراف حبيسة خطاب متجاوز لم يعد يقنع حتى جزءًا كبيرًا من المنتظم الدولي.
وفي الوقت نفسه، يواصل المغرب التمسك بسياسة “اليد الممدودة”، انطلاقا من قناعة راسخة بأن الحل الحقيقي يجب أن يحفظ كرامة الجميع ويضمن الاستقرار الإقليمي. وهي المقاربة التي أكدها جلالة الملك محمد السادس في أكثر من خطاب، حين شدد على أن المغرب لا يبحث عن “الانتصار” بقدر ما يسعى إلى إنهاء هذا النزاع بشكل نهائي وبناء مستقبل مغاربي قائم على التعاون والاستقرار.
إن ما تحقق اليوم في ملف الصحراء لم يكن صدفة، بل نتيجة سنوات من العمل الدبلوماسي الهادئ، والرؤية الاستراتيجية الواضحة، والثقة في عدالة القضية الوطنية.
ولهذا، يمكن القول إن المغرب لم يعد فقط يدافع عن صحرائه… بل أصبح يقود، بثقة، مرحلة الحسم السياسي والدبلوماسي لهذا النزاع المفتعل، في وقت تتجه فيه موازين الواقع والتاريخ والشرعية الدولية أكثر فأكثر لصالح مغربية الصحراء.