برحيل سمية فتحي.. هل يخسر الجهاز الدبلوماسي المغربي في الخارج إحدى أنجح تجاربه القنصلية؟
سعيد الحارثي مدريد
ليس من السهل أن يودع أفراد الجالية المغربية مسؤولًا قنصليًا بهذا القدر من التقدير والمحبة، لكن هذا ما يحدث اليوم مع انتهاء مهام السيدة سمية فتحي، القنصل العام للمملكة المغربية بمدينة ألميريا، وعودتها إلى وزارة الشؤون الخارجية، بعد سنوات من العمل الميداني الذي شهد له القاصي والداني.
لقد كانت سمية فتحي نموذجًا للمسؤول القريب من المواطنين، تؤمن بأن المنصب تكليف قبل أن يكون تشريفًا. لم تكن تكتفي بإدارة الملفات من خلف مكتبها، بل كانت أول الحاضرين إلى مقر القنصلية، تتابع تفاصيل العمل بنفسها، وتحرص على استقبال المرتفقين، والاستماع إلى مشاكلهم، والعمل على إيجاد الحلول الممكنة في إطار القانون.
لم يكن غريبًا أن يطلق عليها أبناء الجالية لقب “سيدة بألف رجل”، فقد اقترن اسمها بالانضباط، والصرامة في العمل، والإنسانية في التعامل، والإخلاص في أداء الواجب الوطني. وهي صفات أصبحت، للأسف، عملة نادرة في زمن تزداد فيه انتظارات المواطنين من مؤسساتهم.
إن مغادرة مسؤول بهذه الكفاءة تطرح أكثر من علامة استفهام. فحين ينجح مسؤول في بناء جسور الثقة مع الجالية، ويترك أثرًا إيجابيًا ملموسًا في جودة الخدمات القنصلية، فإن المنطق يقتضي الحفاظ على هذه الخبرات والاستفادة منها، لا أن تتحول إلى مجرد محطة عابرة.
ولا يتعلق الأمر بالأشخاص بقدر ما يتعلق بمنهجية تدبير الموارد البشرية داخل الجهاز الدبلوماسي. فالمؤسسات الناجحة هي التي تكافئ الكفاءة، وتمنح الفرصة لمن أثبتوا قدرتهم على خدمة الوطن والمواطنين، وتحرص على استثمار خبراتهم في مواقع يكون أثرهم فيها أكبر.
ومن هنا، فإننا نوجه نداءً صادقًا إلى المسؤولين بوزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، من أجل إعادة النظر في كيفية الاستفادة من الكفاءات التي أثبتت نجاحها على أرض الواقع، وفي مقدمتها السيدة سمية فتحي، وإعادة إسناد مهام دبلوماسية إليها في المستقبل، بما يخدم مصالح الوطن والجالية المغربية بالخارج.
قد تغادر سمية فتحي مقر القنصلية، لكنها لن تغادر ذاكرة أبناء الجالية الذين عرفوا فيها المسؤول الجاد، والإنسانة المتواضعة، والدبلوماسية التي جعلت من خدمة المواطن عنوانًا لمسيرتها.
فالشكر والتقدير لكل ما قدمته، مع الأمل أن تعود قريبًا إلى واجهة العمل الدبلوماسي، لأن الأوطان لا تنهض إلا بكفاءاتها، ولا تحافظ على تميز مؤسساتها إلا بتقدير المخلصين.