السياسة ليست قفزة بالمظلة

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

في زمن السرعة، أصبح البعض يعتقد أن السياسة يمكن أن تمارس بنفس منطق الشهرة السريعة والنجاح الفوري. يكفي أن يمتلك الشخص حضورا إعلاميا، أو عددا كبيرا من المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعي، أو بعض النفوذ المالي، حتى يعتبر نفسه مؤهلا لتحمل المسؤوليات السياسية وتدبير شؤون المواطنين. غير أن السياسة، في جوهرها، ليست قفزة بالمظلة، بل مسار طويل من التعلم والتدرج والتكوين.

فالعمل السياسي لم يكن يومًا مجرد رغبة في الوصول إلى المناصب، بل كان دائما مدرسة للتأطير وصناعة النخب. لذلك لم تأت الأحزاب السياسية عبثا، ولم تؤسس فقط لخوض الانتخابات، بل لتكوين الأطر وإعداد الكفاءات القادرة على تحمل المسؤولية وخدمة الصالح العام.

ومن هذا المنطلق، يظل التدرج داخل الأحزاب السياسية أحد أهم ضمانات نجاح الممارسة الديمقراطية. فمناضل يبدأ داخل الشبيبة الحزبية، ويتدرج في التنظيمات المحلية والإقليمية، ويحتك بالمواطنين ويعيش مشاكلهم اليومية، ليس كمن يلج السياسة من باب الشهرة أو المصالح الظرفية. الأول راكم تجربة، وتعلم معنى الالتزام والانضباط والعمل الجماعي، بينما الثاني قد يجد نفسه أمام مسؤوليات أكبر من قدرته على الاستيعاب والتدبير.

ولعل ما نعيشه اليوم من مظاهر الارتباك في بعض مواقع المسؤولية، يعود في جزء منه إلى تراجع ثقافة التكوين والتدرج، مقابل صعود منطق الوجوه الجاهزة والنجومية العابرة. فصار البعض يطمح إلى قيادة المؤسسات قبل أن يتعلم أبجديات العمل السياسي، ويريد الوصول إلى القمة دون أن يقطع درجات السلم.

والحقيقة أن السياسة تشبه إلى حد كبير باقي المهن والمسؤوليات. فلا أحد يقبل أن يجري له عملية جراحية شخص لم يدرس الطب، ولا أن يترافع عنه شخص لم يتلق تكوينا قانونيا، فلماذا يقبل البعض أن يتولى تدبير الشأن العام أشخاص لم يمروا بأي مسار تكويني أو تجربة سياسية حقيقية؟

إن المسؤولية السياسية ليست امتيازا شخصيا، بل أمانة ثقيلة ترتبط بمصالح المواطنين ومستقبلهم. ولذلك فإن الكفاءة والخبرة والتدرج تبقى شروطا أساسية لضمان حسن التدبير وجودة القرار العمومي.

ولا يعني الدفاع عن التدرج الحزبي الدعوة إلى إغلاق الأبواب أمام الطاقات الجديدة، بل على العكس تماما. فالأحزاب في حاجة دائمة إلى دماء جديدة وأفكار مبتكرة، لكن هذه الطاقات تحتاج بدورها إلى فضاءات للتكوين والتأطير قبل تحمل المسؤوليات الكبرى. لأن الهدف ليس الوصول السريع، بل النجاح في تحمل المسؤولية عندما تأتي.

لقد أثبتت التجارب أن السياسي الذي يتدرج داخل المؤسسات الحزبية يكتسب مع مرور الوقت خبرة في تدبير الاختلاف، وفهمًا لانتظارات المواطنين، وقدرة على العمل الجماعي واتخاذ القرار. وهي أمور لا يمكن تعويضها بالشهرة أو الحضور الإعلامي مهما كان حجمه.

واليوم، ونحن في حاجة إلى تجديد النخب السياسية واستعادة ثقة المواطنين في العمل الحزبي، يصبح من الضروري إعادة الاعتبار لثقافة التكوين والتدرج والكفاءة. فالديمقراطية لا تقاس فقط بعدد المشاركين فيها، بل أيضا بجودة النخب التي تفرزها.

وفي النهاية، يبقى الفرق كبيرا بين من يرى السياسة خدمة ومسؤولية ومسارا من التعلم والعطاء، وبين من يراها مجرد طريق مختصر نحو المناصب. فالأوطان لا تُبنى بالقفزات المفاجئة، بل تبنى بالكفاءات التي تتدرج، تتعلم، وتستعد جيدا قبل أن تتحمل مسؤولية خدمة المواطنين.

لأن السياسة، في النهاية، ليست قفزة بالمظلة… بل رحلة طويلة نحو تحمل المسؤولية.