حين يصبح الصعود أسرع من بناء الذات

0

افتتاحية الصباح
لقلم عبد الكريم ناصري
باحث في الغلوم السياسية والدبلوماسية

نعيش اليوم في زمن السرعة؛ سرعة في الأخبار، وسرعة في التواصل، وسرعة في الوصول إلى الواجهة. وأمام هذا الإيقاع المتسارع، أصبح كثيرون يحلمون بالصعود قبل أن يسألوا أنفسهم: هل بنينا ما يكفي لنحافظ على هذا الصعود؟

فالنجاح الحقيقي لا يقاس بسرعة الوصول، وإنما بالقدرة على البقاء. وما يبنى في سنوات من العمل والاجتهاد قد يصمد لعقود، أما ما يبنى على الاستعجال فقد ينهار عند أول اختبار.

لقد أصبحنا نرى من يبحث عن الشهرة قبل أن يصنع إنجازا، ومن يسعى إلى المنصب قبل أن يهيئ نفسه لتحمل مسؤولياته، ومن يريد أن يكون في الصف الأول قبل أن يتعلم كيف يعمل ضمن الفريق. وكأن الوصول أصبح هدفا في حد ذاته، لا نتيجة طبيعية لمسار من التعلم والتدرج.

لكن الحياة لا تعترف بالاختصارات. فكل نجاح لا يسنده علم، ولا تجربة، ولا أخلاق، يظل نجاحا هشا، قد يخطف الأنظار، لكنه لا يصمد أمام الزمن. أما من يبني نفسه بصبر، فإنه قد يتأخر في الوصول، لكنه حين يصل، يكون أكثر قدرة على العطاء والاستمرار.

وفي السياسة كما في الإدارة، لا تكفي الرغبة في القيادة، بل لا بد من الكفاءة، والتدرج، والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل تبعاته. فالمسؤولية ليست امتيازا، بل اختبار يومي، ومن لم يبن نفسه قبل المنصب، سيجد نفسه عاجزا عن حمل أعبائه.

وفي الحياة الشخصية أيضا، لا يمكن للإنسان أن ينجح في عمله، أو أسرته، أو مجتمعه، إذا كان همه الوحيد هو الظهور. فالقيمة الحقيقية ليست في أن يعرفك الناس، بل في أن يثقوا فيك، وأن يكون حضورك مقرونا بالجدية، والكفاءة، وحسن الخلق.

لقد علمتنا التجارب أن الزمن ينصف دائما أصحاب العمل الصادق. فقد يتقدم غيرهم في البداية، وقد تلتفت الأضواء إلى غيرهم، لكن البقاء يكون لمن جعل من بناء نفسه أولوية، لا من جعل همه أن يسبق الآخرين.

إن بناء الذات يحتاج إلى صبر، وإلى مراجعة مستمرة، وإلى استعداد دائم للتعلم. وهو مشروع لا ينتهي عند شهادة، ولا عند منصب، ولا عند نجاح واحد، بل يستمر ما دام الإنسان يسعى إلى أن يكون أفضل مما كان عليه بالأمس.

وفي النهاية، قد يكون الوصول السريع مثيرا للإعجاب، لكن المحافظة على المكانة أصعب بكثير. لأن الصعود قد تصنعه الظروف، أما الاستمرار فلا يصنعه إلا الإنسان نفسه.

فلا تجعل همك أن تصل قبل الجميع، بل اجعل همك أن تكون مستعدا عندما تصل. فالمكانة الحقيقية لا يمنحها المنصب، بل يمنحها الإنسان لنفسه بما راكمه من علم، وتجربة، وأخلاق، وأثر يبقى بعده.