الدولة الاجتماعية… بين الرؤية الملكية وإكراهات التنزيل الحكومي

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

منذ اعتلاء جلالة الملك محمد السادس العرش، ظلت القضايا الاجتماعية في صلب الاهتمام الملكي، إيمانا منه بأن التنمية الحقيقية لا تقاس فقط بالأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل بمدى انعكاسها على حياة المواطنين وكرامتهم. ومن هذا المنطلق جاء ورش الدولة الاجتماعية كواحد من أكبر المشاريع الإصلاحية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، بهدف تعزيز العدالة الاجتماعية، وتوسيع الحماية الاجتماعية، وتحسين ظروف عيش المواطنين، خاصة الفئات الهشة والطبقة المتوسطة.

لقد حمل هذا الورش الملكي آمالا كبيرة للمغاربة، لأنه لم يكن مجرد برنامج ظرفي أو شعار سياسي، بل رؤية استراتيجية متكاملة تضع الإنسان في قلب السياسات العمومية. فالتوجيهات الملكية كانت واضحة: تعميم التغطية الصحية، توسيع الاستفادة من الحماية الاجتماعية، دعم الأسر المحتاجة، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: إلى أي حد نجح التنزيل الحكومي في مواكبة الطموح الذي حملته هذه الرؤية الملكية؟

فالمواطن البسيط لا يقيم السياسات من خلال البلاغات والتقارير، بل من خلال ما يعيشه يوميا. وحين يواجه ارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وصعوبة الولوج إلى بعض الخدمات الأساسية، فإنه يتساءل بشكل مشروع عن الأثر الحقيقي لهذا الورش في حياته اليومية.

ولا شك أن الدولة الاجتماعية مشروع ملكي نبيل وطموح، يعكس حرص جلالة الملك على حماية كرامة المغاربة وتعزيز التماسك الاجتماعي. لكن نجاح أي مشروع، مهما كانت أهميته، يبقى رهينا بمدى قدرة الحكومة على تنزيله بكفاءة وفعالية. وهنا تبرز أهمية التمييز بين الرؤية والتنفيذ، بين الفكرة ومن يتولى تطبيقها على أرض الواقع.

لقد وفرت المؤسسة الملكية التوجيه والإرادة والإطار الاستراتيجي، لكن مسؤولية التفعيل تقع على عاتق الحكومة والإدارة العمومية والمؤسسات المكلفة بالتنزيل. لذلك، فإن أي تعثر أو تأخر أو ضعف في النتائج لا يمكن أن يحمل للمشروع في حد ذاته، بل للكيفية التي تم بها تنزيله وتدبيره.

ويكفي النظر إلى واقع القدرة الشرائية للمغاربة، وإلى حجم الضغوط التي تعيشها الأسر، وإلى التحديات التي تواجه الطبقة المتوسطة، لندرك أن هناك فجوة ما تزال قائمة بين الطموح المشروع والواقع المعيش. وهي فجوة تحتاج إلى جرأة في التقييم والمراجعة، بدل الاكتفاء بتقديم الأرقام والمؤشرات.

إن الدولة الاجتماعية ليست مجرد تحويلات مالية أو برامج دعم، بل هي شعور المواطن بالأمان الاجتماعي، وقدرته على العلاج، وعلى تعليم أبنائه، وعلى العيش بكرامة دون خوف دائم من تقلبات الحياة. وحين لا يشعر المواطن بهذا الأثر بشكل واضح، يصبح من حقه أن يتساءل عن أسباب التعثر وعن الجهات المسؤولة عنه.

لقد أثبتت التجربة أن الرؤية الملكية كانت دائما سباقة في استشراف حاجيات المجتمع وتحديات المستقبل، واضعة المواطن في صلب الاهتمام. لكن الأوراش الكبرى لا تنجح بالنوايا الحسنة وحدها، بل تحتاج إلى حكامة جيدة، وكفاءة في التدبير، وسرعة في الإنجاز.

وفي النهاية، إذا كانت الدولة الاجتماعية تمثل أحد أهم الأوراش الملكية في المغرب الحديث، فإن نجاحها الكامل يمر حتما عبر تنزيل حكومي يرقى إلى مستوى الطموح الملكي وانتظارات المواطنين. لأن المغاربة لا ينتظرون فقط إعلان البرامج، بل ينتظرون أن يلمسوا أثرها في حياتهم اليومية، وأن يشعروا بأن كرامتهم كانت بالفعل الهدف الأول لكل هذه الإصلاحات.