الأزمة الحقيقية ليست في الغلاء… بل في فقدان الثقة
افتتاحة الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
قد يختلف المغاربة حول كثير من القضايا، وقد تتباين آراؤهم بشأن السياسات والاختيارات الحكومية، لكن هناك أمرا أصبح يثير إجماعا متزايدا داخل المجتمع: أزمة الثقة. فالأزمة التي يعيشها المغرب اليوم لا تختزل فقط في غلاء الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية أو صعوبة الولوج إلى فرص الشغل، بل في اتساع الهوة بين ما يعيشه المواطن وما يسمعه من خطابات وأرقام وتصريحات رسمية.
لقد شكل عيد الأضحى الأخير لحظة كاشفة لهذه الأزمة. فبينما كانت التصريحات تتحدث عن وفرة العرض واستعداد الأسواق وتوفر الأضاحي، وجد آلاف المغاربة أنفسهم أمام واقع مختلف تماما. أسعار مرتفعة، اكتظاظ، ارتباك في الأسواق، وأسر كثيرة عجزت عن اقتناء أضحية العيد. لم يكن السؤال الذي يطرحه المواطن يومها: كم يبلغ عدد رؤوس الماشية؟ بل كان السؤال الأبسط والأقسى: هل أستطيع شراء أضحية لأبنائي؟
هنا بالضبط تبدأ أزمة الثقة.
فالمواطن لا يعيش داخل التقارير والإحصائيات، بل يعيش داخل السوق والحي والبيت. يقيس نجاح السياسات بقدرته على تأمين حاجيات أسرته، وبفرص العمل المتاحة، وبما تبقى في جيبه آخر الشهر. وعندما تصبح الأرقام المعلنة بعيدة عن إحساسه اليومي، يبدأ الشك في التسلل، ثم يتحول تدريجيا إلى فقدان للثقة.
ولا يتعلق الأمر فقط بملف الأضاحي أو الأسعار. فخلال السنوات الأخيرة، سمع المغاربة وعودا كثيرة حول التشغيل وتحسين الأوضاع الاجتماعية وتقوية الطبقة المتوسطة. لكن الواقع أفرز شعورا متناميا لدى فئات واسعة بأن النتائج لا ترقى إلى مستوى التوقعات والالتزامات المعلنة. وهذا ما جعل جزءًا من الرأي العام يتعامل مع التصريحات الرسمية بكثير من الحذر والريبة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة ليس الاحتجاج أو الانتقاد، بل فقدان الثقة. لأن الثقة هي الرأسمال الحقيقي الذي يسمح للدولة والمؤسسات بإقناع المواطنين وتعبئتهم حول الإصلاحات والبرامج الكبرى. أما حين تتآكل هذه الثقة، فإن كل خطاب يصبح محل تشكيك، وكل رقم يصبح موضع تساؤل، وكل وعد يستقبل بكثير من التحفظ.
ولعل ما يزيد من تعقيد الوضع هو أن المواطن المغربي أصبح اليوم أكثر اطلاعا ووعيا، بفضل وسائل التواصل الحديثة وتدفق المعلومات. لذلك لم يعد يكتفي بسماع الأرقام، بل يقارنها بواقعه اليومي. وحين يجد التناقض كبيرا، يكون الحكم قاسيا.
إن استعادة الثقة لا تتم عبر حملات التواصل أو تحسين الخطاب فقط، بل عبر نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. حين تنخفض الأسعار فعلا، وحين تتحسن الخدمات، وحين تتوفر فرص الشغل، وحين يشعر الناس بأن معاناتهم مفهومة ومأخوذة بعين الاعتبار، عندها فقط تستعيد المؤسسات جزءًا من مصداقيتها.
فالمواطن لا يطلب المستحيل، ولا ينتظر المعجزات. إنه يريد فقط أن يرى انسجاما بين ما يقال وما ينجز، وبين الأرقام المعلنة والواقع المعيش.
وفي النهاية، قد تكون أزمة الغلاء ظرفية ويمكن تجاوزها بسياسات وإجراءات مناسبة، لكن أزمة الثقة أكثر تعقيدا وأعمق أثرا. لأنها حين تستقر في وجدان الناس، تصبح كل الإنجازات موضع شك، وكل الوعود محل تساؤل.
لهذا، فإن التحدي الأكبر اليوم ليس فقط محاربة الغلاء أو تحسين المؤشرات الاقتصادية، بل إعادة بناء الجسر الذي يربط المواطن بالمؤسسات. لأن الأوطان لا تبنى بالأرقام وحدها، بل بالثقة التي تجعل المواطن يؤمن أن صوته مسموع، وأن معاناته مفهومة، وأن مستقبله يحظى بالاهتمام الذي يستحقه.