جيل الشهادات… وجيل الانتظار
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
لم يعد أكثر ما يخيف الشباب المغربي اليوم هو الفشل في الدراسة أو صعوبة الحصول على الشهادات، بل الخوف من أن تتحول سنوات التحصيل العلمي والتكوين إلى مجرد مرحلة طويلة من الانتظار. انتظار فرصة عمل، انتظار مباراة توظيف، انتظار انفراج اقتصادي، أو انتظار حلم قد لا يأتي أبدا.
لقد نشأ جيل كامل على قناعة بسيطة: اجتهد في دراستك، احصل على شهادة، وستجد مكانك داخل المجتمع وسوق الشغل. لكن الواقع الذي يعيشه آلاف الشباب اليوم يقول شيئا مختلفا. فبعد سنوات من الدراسة والتضحيات، يجد الكثيرون أنفسهم أمام أبواب موصدة، وأسئلة مؤلمة عن جدوى كل ذلك المسار.
في المدن والقرى، تتكرر نفس الحكاية. شباب يحملون شهادات جامعية أو مهنية، لكنهم عاجزون عن إيجاد فرصة تليق بمؤهلاتهم. بعضهم يقضي سنوات في التنقل بين المباريات والاختبارات، وبعضهم يستسلم للعمل في مجالات لا علاقة لها بتكوينه، بينما يختار آخرون طريق الهجرة بحثا عن أفق يعتقدون أنه أصبح مستحيلا داخل وطنهم.
والمؤلم أن هذا الواقع يتناقض مع الخطاب الرسمي الذي يتحدث باستمرار عن فرص الاستثمار وخلق مناصب الشغل وتحسن المؤشرات الاقتصادية. فالمواطن البسيط لا يقيس نجاح السياسات بعدد الندوات أو التقارير، بل بعدد الشباب الذين يجدون فرصة للعيش الكريم داخل وطنهم.
لقد تحولت البطالة في صفوف الشباب من مجرد معطى اقتصادي إلى قضية اجتماعية ونفسية خطيرة. لأن الشاب الذي يفقد الأمل في العمل، يفقد معه جزءا من ثقته في المستقبل. وحين يشعر أن شهادته لم تعد جسرا نحو الاندماج الاجتماعي، يبدأ الإحباط في التسلل إلى حياته اليومية.
ومن أخطر نتائج هذا الوضع تنامي الرغبة في الهجرة. فالكثير من الشباب لم يعد يحلم بالسفر لاكتشاف العالم أو تطوير تجربته المهنية، بل أصبح يرى في الهجرة طوق نجاة من واقع يعتقد أنه لا يمنحه الفرصة التي يستحقها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن الوطن الذي يفقد ثقة شبابه يفقد جزءا من مستقبله.
ولا يمكن الحديث عن هذه الأزمة دون استحضار مسؤولية السياسات العمومية. فالتشغيل ليس مجرد رقم يُعلن عنه في مناسبة رسمية، بل هو أساس الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. وحين ترتفع البطالة رغم الوعود المتكررة، يصبح من حق المواطنين أن يتساءلوا عن جدوى السياسات المتبعة وعن مدى قدرتها على الاستجابة لانتظارات الشباب.
إن المغرب لا تنقصه الطاقات ولا الكفاءات. ففي الجامعات والمعاهد ومراكز التكوين يتخرج كل سنة آلاف الشباب المؤهلين للمساهمة في التنمية. لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل هذه الكفاءات إلى قوة منتجة داخل الاقتصاد الوطني بدل دفعها نحو الانتظار أو الهجرة أو الإحباط.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج الشباب إلى أفعال أكثر من الخطابات، وإلى فرص حقيقية أكثر من الوعود. لأن بناء الثقة لا يتم بالكلمات، بل بإعطاء الشباب ما يستحقونه من اهتمام وفرص وإمكانات.
وفي النهاية، لا يمكن لأي وطن أن يحقق تنمية حقيقية إذا تحول شبابه إلى جيل ينتظر بدل أن يبادر، وإلى جيل يحلم بالرحيل بدل أن يخطط للبقاء. فالشباب ليسوا عبئا على الدولة، بل هم أكبر ثروة تملكها. وحين تتحول الشهادات إلى أوراق معلقة على الجدران، يصبح السؤال المؤلم: من المسؤول عن ضياع الحلم؟
إنه جيل الشهادات… لكنه للأسف أصبح أيضا جيل الانتظار.