الكرسي لا يصنع رجل دولة
افتتاحة الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي
في السياسة كما في الحياة، ليست المناصب هي التي تصنع الرجال، بل الرجال هم الذين يمنحون للمناصب قيمتها وهيبتها. فكم من شخص جلس على كرسي المسؤولية لسنوات طويلة دون أن يترك أثرا يذكر، وكم من رجل دولة استطاع بموقف واحد أو قرار شجاع أن يخلد اسمه في ذاكرة المواطنين.
لقد أصبح جزء من المغاربة ينظرون إلى السياسة بكثير من الشك والحذر، ليس بسبب السياسة في حد ذاتها، ولكن بسبب بعض الممارسات التي أفرغت العمل السياسي من معناه النبيل. فبدل أن تكون السياسة وسيلة لخدمة المواطنين والدفاع عن مصالحهم، تحولت عند البعض إلى طريق نحو الامتيازات والمكاسب الشخصية والبحث عن النفوذ والمكانة الاجتماعية.
وأصبحنا نعيش مفارقة غريبة؛ فكلما اقترب موعد الانتخابات ارتفعت الشعارات وكثرت الوعود، لكن ما إن تنتهي الحملات الانتخابية حتى يختفي الكثير من المنتخبين والمسؤولين عن الأنظار، وكأن علاقتهم بالمواطن تنتهي بانتهاء الحاجة إلى صوته.
إن رجل الدولة الحقيقي لا يقاس بعدد الولايات التي قضاها في المنصب، ولا بحجم الألقاب التي يحملها، ولا بعدد الصور التي يلتقطها أمام الكاميرات. رجل الدولة يقاس بقدرته على تحمل المسؤولية، وبشجاعته في اتخاذ القرار، وبقربه من المواطنين، وباستعداده للدفاع عن المصلحة العامة حتى عندما يكون الثمن سياسيًا أو شخصيا.
ولعل أحد الأسباب التي ساهمت في تراجع ثقة المواطنين في العمل السياسي هو انتشار منطق المصلحة على حساب منطق الرسالة. فهناك من يغير مواقفه بتغير الظروف، وينتقل من موقع إلى آخر بحسب ما تقتضيه حسابات الربح والخسارة، لا بحسب ما تمليه القناعات والمبادئ.
كما أن السياسة أصبحت تستقطب أحيانا أشخاصا يفتقرون إلى الحد الأدنى من التكوين السياسي والفكري، فيتحول النقاش العمومي إلى سجالات شخصية وصراعات هامشية بدل أن يكون فضاء لطرح الحلول ومناقشة القضايا الكبرى التي تهم الوطن والمواطنين.
والحال أن المغرب، في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية والدولية التي يواجهها، يحتاج إلى نخب سياسية قوية، تمتلك الكفاءة والرؤية والقدرة على استشراف المستقبل. يحتاج إلى مسؤولين يعتبرون المنصب تكليفا لا تشريفا، ومسؤولية لا امتيازا.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب الحياة السياسية هو أن يفقد المواطن ثقته في أن الكفاءة والعمل الجاد هما الطريق إلى المسؤولية، وأن يعتقد بدلا من ذلك أن المناصب تمنح فقط لمن يجيدون التسويق لأنفسهم أو البحث عن المصالح.
ولهذا فإن إعادة الاعتبار للعمل السياسي تبدأ بإعادة الاعتبار لقيم النزاهة والكفاءة والالتزام. فالمواطن لا ينتظر سياسيين معصومين من الخطأ، لكنه ينتظر مسؤولين صادقين معه، قريبين من همومه، ومستعدين لتحمل مسؤولياتهم كاملة.
وفي النهاية، يبقى الفرق كبيرا بين من يبحث عن الكرسي، ومن يبحث عن خدمة الوطن من خلال الكرسي. لأن المنصب قد يمنح صاحبه سلطة مؤقتة، لكنه لا يمنحه تلقائيا الاحترام أو التقدير.
فالكرسي لا يصنع رجل دولة… بل رجل الدولة هو من يمنح الكرسي قيمته وهيبته.