الحكومة ليست الوطن… والنقد ليس خيانة

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
فاعل جمعوي

من أخطر الانزلاقات التي يمكن أن تقع فيها الممارسة السياسية أن يتم الخلط بين الدولة والحكومة، وبين الوطن والأغلبية الحاكمة، وبين النقد المشروع والتشويش المزعوم. فعندما يصبح انتقاد السياسات العمومية جريمة سياسية، وتتحول المعارضة إلى متهم دائم، نكون أمام أزمة في فهم الديمقراطية أكثر مما نكون أمام أزمة في تدبير الشأن العام.

لقد أصبح من المألوف في السنوات الأخيرة أن يواجه كل من ينتقد أداء الحكومة أو يثير الاختلالات التي يعاني منها المواطن، بسيل من الاتهامات الجاهزة. مرة بدعوى التشويش على الإنجازات، ومرة بدعوى تبخيس المجهودات، ومرة أخرى بدعوى المس بصورة البلاد. وكأن المطلوب من الجميع أن يصفقوا، حتى عندما تكون الوقائع على الأرض تدعو إلى القلق والمساءلة.

والحال أن الحكومة ليست الوطن. الحكومة مرحلة سياسية مرتبطة بولاية انتخابية محددة، تأتي وتذهب وتخضع للمحاسبة والتقييم. أما الوطن فهو أكبر من الحكومات والأحزاب والأشخاص. والدولة أقوى من أن تهتز بسبب رأي مخالف أو انتقاد سياسي أو موقف معارض.

إن الديمقراطية لا تعني الإجماع، بل تعني الحق في الاختلاف. ولا تقوم على التصفيق الجماعي، بل على النقاش الحر وتعدد الآراء وتنافس الأفكار. لذلك فإن وجود أصوات ناقدة داخل البرلمان وخارجه ليس علامة ضعف، بل دليل على حيوية المؤسسات وصحة الحياة السياسية.

لقد علمتنا التجارب أن الكثير من الأزمات كان يمكن تفاديها لو تم الاستماع مبكرا إلى الأصوات التي نبهت إليها. فالمعارضة ليست خصمًا للدولة، بل شريكا في حماية التوازنات الديمقراطية. ودورها لا يقتصر على مراقبة الحكومة فقط، بل على تنبيهها إلى مكامن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات حقيقية.

والمواطن الذي ينتقد غلاء المعيشة، أو يعبر عن قلقه من البطالة، أو يتساءل عن واقع التعليم والصحة، لا يعادي وطنه. بالعكس، إنه يمارس حقه وواجبه كمواطن حريص على مستقبل بلده. لأن حب الوطن لا يقاس بعدد عبارات المديح التي نرددها، بل بمدى استعدادنا للدفاع عن مصالحه والتنبيه إلى الاختلالات التي تعيق تقدمه.

إن الدول القوية لا تخاف من النقد، لأنها تدرك أن النقد البناء جزء من عملية التصحيح والتطوير. أما الدول التي تخشى كل رأي مخالف، فإنها تحرم نفسها من فرصة اكتشاف أخطائها ومعالجة نقائصها. لذلك كان رجال الدولة الحقيقيون دائما أكثر الناس قدرة على الاستماع للرأي الآخر، وأكثرهم اقتناعا بأن الحقيقة لا يحتكرها أحد.

المشكلة ليست في وجود النقد، بل في وجود الأسباب التي تدفع إلى النقد. فلو كانت القدرة الشرائية في أحسن حال، ولو كانت البطالة في تراجع، ولو كان المواطن راضيا عن الخدمات الأساسية، لما وجد النقد كل هذا الصدى داخل المجتمع. ولهذا فإن مواجهة الانتقادات لا تكون بتخوين أصحابها، بل بمعالجة الأسباب التي أنتجتها.

إن المعارضة القوية ليست تهديدا للدولة، بل ضمانة من ضمانات استقرارها. والنقاش العمومي الحر ليس مصدر خطر، بل وسيلة لتجويد القرار العمومي. أما الخلط بين الحكومة والوطن، فإنه لا يخدم لا الديمقراطية ولا المؤسسات ولا مصلحة البلاد.

وفي النهاية، يبقى الوطن ملكا لجميع أبنائه، بمختلف آرائهم وتوجهاتهم. ويبقى الحق في النقد جزءًا من المواطنة الحقيقية، لا دليلا على الخيانة أو التنكر للوطن.

لأن الحكومة ليست الوطن… والنقد ليس خيانة.