عام هجري جديد… فهل نتغير أم نكتفي بتغيير التواريخ؟

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

مع إطلالة سنة هجرية جديدة، تتجدد التهاني والدعوات والأمنيات، ويتبادل الناس عبارات التفاؤل والأمل في أن يكون العام المقبل أفضل من سابقه. وهي مناسبة دينية وتاريخية عظيمة، لا تذكرنا فقط بحدث الهجرة النبوية الشريفة، بل تدعونا أيضا إلى التوقف قليلا أمام ذواتنا ومراجعة مساراتنا.

فالهجرة لم تكن مجرد انتقال من مكة إلى المدينة، ولم تكن رحلة بحث عن مكان جديد فحسب، بل كانت مشروعا حضاريا متكاملا نقل أمة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة البناء، ومن التشتت إلى الوحدة، ومن ردود الأفعال إلى صناعة التاريخ.

ولذلك فإن القيمة الحقيقية للسنة الهجرية الجديدة لا تكمن في تغيير رقم أو تقليب صفحة في التقويم، بل في قدرتنا على طرح الأسئلة الصعبة على أنفسنا. ماذا أضفنا إلى حياتنا خلال العام الماضي؟ ماذا تعلمنا من أخطائنا؟ وما الذي تغير في سلوكنا وأفكارنا وعلاقاتنا مع الآخرين؟

لقد اعتدنا في كثير من الأحيان أن نحاسب الجميع إلا أنفسنا. ننتقد المسؤولين والسياسيين والمؤسسات والمجتمع، وقد يكون كثير من هذا النقد مشروعا ومبررا، لكننا ننسى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان نفسه. فالأمم لا تتغير فقط بالقرارات الكبرى، بل تتغير حين يقرر الأفراد أن يكونوا أفضل مما كانوا عليه بالأمس.

إن بداية سنة هجرية جديدة فرصة لمراجعة الحسابات الشخصية قبل الحسابات السياسية، ولمحاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين. فرصة لنسأل أنفسنا: هل استثمرنا وقتنا كما ينبغي؟ هل طورنا معارفنا ومهاراتنا؟ هل ساهمنا في خدمة مجتمعنا؟ أم أننا اكتفينا بانتظار أن يتغير العالم من حولنا دون أن نغير شيئا في داخلنا؟

ولعل أكثر ما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم هو ثقافة المبادرة بدل ثقافة الانتظار. فالكثير من الناس ينتظرون الظروف المثالية للنجاح، بينما يعلمنا التاريخ أن الإنجازات الكبرى غالبا ما ولدت في أصعب الظروف. والهجرة النبوية نفسها كانت درسا خالدا في التخطيط والعمل والصبر والإيمان بالمستقبل رغم التحديات.

كما أن هذه المناسبة تذكر شبابنا خاصة بأن العمر لا يقاس بعدد السنوات التي تمر، بل بما نحققه خلالها من أثر وإنجاز. فهناك من يعيش سنوات طويلة دون أن يترك أثرا يذكر، وهناك من يصنع في سنوات قليلة ما يجعله حاضرا في ذاكرة الناس والتاريخ.

ومع دخول عام هجري جديد، نحن في حاجة إلى هجرة من نوع آخر؛ هجرة من اليأس إلى الأمل، ومن السلبية إلى المبادرة، ومن التذمر إلى العمل، ومن ثقافة الأعذار إلى ثقافة الإنجاز. هجرة نحو قيم الصدق والإتقان والمسؤولية والتضامن التي تحتاجها أوطاننا أكثر من أي وقت مضى.

إن الأمم التي تتقدم ليست تلك التي تملك الإمكانيات فقط، بل تلك التي تملك الإرادة. والإرادة تبدأ من الإنسان، من قراره بأن يكون أفضل، وأن يساهم ولو بقدر بسيط في تحسين واقعه وواقع مجتمعه.

وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الذي يجب أن يرافقنا مع كل سنة جديدة: هل تغيرت حياتنا فعلا، أم أننا اكتفينا بتغيير التواريخ؟

كل عام هجري وأنتم بخير، وكل عام وأنتم أقرب إلى تحقيق أحلامكم وخدمة وطنكم ومجتمعكم، وكل عام وأنتم أكثر إيمانا بأن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل قبل أن يظهر في الواقع.