الشرعية الانتخابية ليست شيكا على بياض
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
تشكل الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية الآلية الدستورية التي تمنح الحكومات شرعية ممارسة السلطة، لكنها لا تمنحها احتكار الحقيقة، ولا تعفيها من المساءلة، ولا تحولها إلى سلطة فوق النقد. فالشرعية الانتخابية، في جوهرها، هي نقطة انطلاق لممارسة المسؤولية، وليست شهادة براءة دائمة أو تفويضا مفتوحا بلا حدود.
وفي الفقه الدستوري، تقوم الديمقراطية على معادلة دقيقة تجمع بين الشرعية والرقابة. فالناخب يمنح صوته، لكنه لا يتنازل عن حقه في المتابعة والمساءلة، كما أن الدستور لا يمنح الحكومة صلاحيات مطلقة، بل يقيدها بجملة من المبادئ، في مقدمتها سيادة القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وحماية الحقوق والحريات، واحترام التوازن بين السلط.
ولهذا، فإن اختزال الديمقراطية في لحظة الاقتراع يمثل فهما قاصرا لمفهوم الدولة الدستورية. فالانتخابات تحدد من يحكم، لكنها لا تحدد كيف يحكم، ولا تعفي من الالتزام بالمصلحة العامة، ولا تمنح أي مسؤول حق تجاهل مطالب المجتمع أو اعتبار النقد استهدافا شخصيا.
لقد تطورت الأنظمة الديمقراطية الحديثة من مفهوم الشرعية الانتخابية إلى مفهوم أكثر عمقا يعرف في العلوم السياسية بـ **”الشرعية الإنجازية”**. فالمواطن لا يقيم الحكومات فقط بما حققته في صناديق الاقتراع، بل بما تنجزه في الواقع، وبقدرتها على تحسين جودة الحياة، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وتوفير فرص الشغل، وترسيخ الثقة في المؤسسات. فالانتخابات تفتح باب السلطة، لكن حسن التدبير وحده هو الذي يحافظ على مشروعيتها.
ومن هذا المنطلق، فإن الحكومة التي تكتفي بالاستناد إلى أغلبيتها البرلمانية، دون أن تراجع سياساتها أو تنصت إلى نبض المجتمع، تخاطر بإضعاف شرعيتها السياسية، حتى وإن بقيت شرعيتها الدستورية قائمة. لأن الديمقراطية ليست فقط حكم الأغلبية، بل هي أيضا احترام الأقلية، والإنصات للرأي العام، والاستعداد الدائم لتصحيح الاختلالات.
وفي المقابل، لا ينبغي أن تتحول المعارضة إلى معارضة من أجل المعارضة، لأن الرقابة الدستورية لا تستمد قيمتها من كثرة الانتقادات، بل من جودة البدائل التي تقدمها. فالديمقراطية لا تقوم على الصراع من أجل إسقاط الخصوم، وإنما على التنافس من أجل تحسين السياسات العمومية وخدمة المصلحة العامة.
ومن منظور الدبلوماسية، فإن قوة الدول في الخارج تبدأ من متانة شرعيتها في الداخل. فالدولة التي تحظى بمؤسسات قوية، وحكومة خاضعة للمساءلة، ومواطن يثق في آليات الرقابة والمحاسبة، تكون أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها، وأكثر مصداقية في علاقاتها الدولية. لذلك، لم يعد مفهوم الشرعية شأنا داخليا فحسب، بل أصبح عنصرا من عناصر القوة الناعمة للدول.
كما أن التجارب المقارنة تثبت أن الديمقراطيات الأكثر استقرارا ليست تلك التي تفوز فيها الحكومات بأكبر الأغلبية، بل تلك التي تقبل فيها الحكومات الرقابة باعتبارها جزءا من الحكم، لا تهديدا له. فالمساءلة ليست علامة ضعف، بل دليل على نضج المؤسسات، لأنها تمنع تركيز السلطة، وتحافظ على التوازن بين الدولة والمجتمع.
إن الخلط بين الفوز الانتخابي والتفويض المطلق يعد من أخطر الانحرافات التي قد تصيب الممارسة السياسية. فالدستور لم يجعل الانتخابات نهاية العملية الديمقراطية، بل بدايتها. وبعد إعلان النتائج، تبدأ مرحلة أصعب، هي مرحلة الوفاء بالالتزامات، وتدبير الاختلاف، وتحمل المسؤولية أمام البرلمان، والقضاء، والرأي العام.
ولذلك، فإن المسؤول الحقيقي لا يلوذ بنتائج الانتخابات كلما وُجه إليه النقد، بل يجيب بالحصيلة، ويواجه الأسئلة بالمعطيات، ويعتبر الرقابة وسيلة لتقويم الأداء لا للتشكيك في الشرعية. فالثقة الشعبية ليست رصيدا ثابتا، وإنما علاقة متجددة تُبنى بالإنجاز، والشفافية، والقدرة على الاعتراف بالأخطاء قبل البحث عن تبريرها.
إن الدولة الدستورية لا تُبنى على منطق الغالب والمغلوب، بل على منطق المؤسسات، حيث تكون الحكومة مسؤولة أمام البرلمان، والبرلمان مسؤولا أمام المواطنين، والجميع خاضعين للدستور باعتباره المرجعية العليا التي لا تعلو عليها إرادة سياسية أو أغلبية انتخابية.
وفي النهاية، تمنح الانتخابات حق ممارسة السلطة، لكنها لا تمنح حق احتكارها. فالشرعية الانتخابية ليست شيكا على بياض، بل عقد ثقة بين الحاكم والمحكوم، يبقى قائما ما دامت الحكومة وفية لالتزاماتها، ومنصتة لمواطنيها، وخاضعة للمساءلة. أما عندما تتحول الأغلبية إلى ذريعة لإغلاق باب النقد، فإن الديمقراطية تفقد أحد أهم مقوماتها، وهو أن السلطة تُمارس باسم الشعب، ولأجل الشعب، وتحت رقابة الشعب.