الأوطان لا يبنيها المنقذون… بل يبنيها المواطنون

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية

في كل مرة تواجه فيها المجتمعات أزمة أو تحديا، يظهر من يعتقد أن الحل يكمن في شخص واحد، أو مسؤول واحد، أو حكومة واحدة قادرة على تغيير كل شيء بين ليلة وضحاها. وكأن الأوطان تنتظر دائما بطلا خارقا يأتي ليصلح ما أفسده الزمن، ويحقق ما عجز عنه الآخرون.

لكن التاريخ يعلمنا حقيقة مختلفة تماما. فالأمم القوية لم تبن على أكتاف الأفراد وحدهم، مهما كانت كفاءتهم أو مكانتهم، بل بنيت بجهد جماعي شارك فيه المواطن قبل المسؤول، والعامل قبل الوزير، والأستاذ قبل المدير، والفلاح قبل المستثمر.

لقد اعتدنا في كثير من الأحيان أن نحمل الدولة والحكومة مسؤولية كل شيء، وهذا أمر طبيعي في جانب منه، لأن المسؤولية السياسية تقتضي المحاسبة والتقييم. لكن في المقابل، نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا: ماذا قدمنا نحن للوطن؟ وما هو الدور الذي نقوم به داخل مجتمعنا؟

فالوطن ليس مؤسسة بعيدة عنا، وليس مجرد حكومة أو برلمان أو جماعة ترابية. الوطن يبدأ من الشارع الذي نحافظ على نظافته، ومن المدرسة التي نحترم قوانينها، ومن العمل الذي نؤديه بإخلاص، ومن القيم التي نغرسها في أبنائنا.

إن تقدم الأوطان لا يقاس فقط بحجم المشاريع الكبرى أو السياسات العمومية، بل يقاس أيضا بمدى وعي المواطنين بمسؤولياتهم. فحين يؤدي كل فرد دوره بإتقان، تتحول الجهود الصغيرة إلى قوة هائلة قادرة على صناعة التغيير الحقيقي.

ولعل أحد أكبر التحديات التي تواجه مجتمعاتنا اليوم هو انتشار ثقافة الانتظار. انتظار الحل من الدولة، وانتظار المبادرة من الآخرين، وانتظار التغيير من الخارج. بينما تؤكد كل التجارب الناجحة أن التغيير يبدأ من الداخل، من اقتناع كل فرد بأنه جزء من الحل لا مجرد متفرج على المشكلات.

وهذا لا يعني إعفاء المسؤولين من مسؤولياتهم أو التخفيف من أهمية المحاسبة، بل يعني أن بناء الأوطان مسؤولية مشتركة. فالدولة القوية تحتاج إلى مواطن مسؤول، كما يحتاج المواطن إلى مؤسسات قوية وعادلة. إنها علاقة تكامل لا علاقة مواجهة.

لقد نجحت أمم كثيرة لأنها جعلت من المواطنة سلوكا يوميا لا مجرد شعار يرفع في المناسبات. فاحترام القانون، والحفاظ على الممتلكات العامة، وإتقان العمل، والمشاركة في الحياة العامة، كلها أشكال من الوطنية لا تقل أهمية عن الخطابات والشعارات.

إننا في حاجة إلى جيل يؤمن بأن النجاح الشخصي لا ينفصل عن نجاح الوطن، وأن خدمة المجتمع ليست مهمة السياسيين وحدهم، بل مسؤولية الجميع. جيل يدرك أن الحقوق لا تنفصل عن الواجبات، وأن المطالبة بالإصلاح يجب أن ترافقها المساهمة في تحقيقه.

وفي زمن كثرت فيه الشكاوى والانتظارات، ربما حان الوقت لنطرح سؤالا مختلفا: ماذا يمكن لكل واحد منا أن يفعل ليكون جزءًا من الحل؟

فالأوطان لا تتقدم بالمعجزات، ولا يبنيها المنقذون مهما كانت نواياهم حسنة. الأوطان تبنيها سواعد الملايين من المواطنين الذين يؤمنون بأن دورهم لا يقل أهمية عن دور أي مسؤول، وأن مستقبل البلاد يصنعه الجميع.

لأن الوطن، في النهاية، ليس ما ننتظره من الآخرين فقط… بل ما نقدمه نحن أيضا للآخرين.

ولهذا تبقى الحقيقة البسيطة والخالدة: الأوطان لا يبنيها المنقذون… بل يبنيها المواطنون.