كلنا نعرف المشكل… فمن يملك الحل؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
في المغرب، كما في كثير من الدول، أصبح الحديث عن المشاكل أسهل من أي وقت مضى. الجميع يعرف أن هناك تحديات في التعليم، وإكراهات في الصحة، وصعوبات في التشغيل، وضغطًا على القدرة الشرائية، واختلالات في تدبير بعض الملفات العمومية. بل إن المواطن البسيط أصبح قادرا على تشخيص الكثير من الأعطاب التي تعاني منها السياسات العمومية دون الحاجة إلى خبراء أو تقارير دولية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: من يعرف المشكل؟ بل: من يملك الحل؟
لقد تحولت الساحة السياسية والإعلامية إلى فضاء واسع للنقد. المعارضة تنتقد الحكومة، والحكومة تنتقد الظروف والإكراهات، والمواطن ينتقد الجميع. وبين هذا وذاك تضيع أحيانا الإجابة عن السؤال الأهم: ماذا بعد النقد؟
لا أحد ينكر أن النقد حق مشروع، بل إنه ركيزة أساسية في أي نظام ديمقراطي سليم. فمن دون نقد لا يمكن تصحيح الأخطاء، ولا يمكن كشف الاختلالات، ولا يمكن تطوير الأداء العمومي. لكن النقد وحده لا يكفي إذا لم يتحول إلى أفكار ومبادرات وبدائل قابلة للتنفيذ.
فالمواطن اليوم لا يحتاج فقط إلى من يشرح له حجم الأزمة، لأنه يعيشها يوميا ويعرف تفاصيلها أكثر من غيره. ما يحتاجه هو من يقنعه بوجود رؤية للخروج منها. يحتاج إلى من يقدم حلولا واقعية بدل الاكتفاء بسرد المشاكل أو البحث عن المبررات.
ولعل أحد أسباب تراجع الثقة في العمل السياسي هو أن جزءا من الخطاب العمومي أصبح يدور في حلقة مفرغة: تشخيص يتكرر، وانتقادات تتكرر، ووعود تتكرر، بينما ينتظر المواطن نتائج ملموسة تغير حياته نحو الأفضل.
إن السياسة ليست مسابقة في اكتشاف الأعطاب، بل هي فن إيجاد الحلول. والفاعل السياسي الناجح ليس هو الأكثر قدرة على الحديث عن المشكلات، بل الأكثر قدرة على تقديم البدائل الممكنة لمواجهتها. كما أن المعارضة القوية ليست تلك التي تعارض فقط، بل تلك التي تطرح رؤى مختلفة وتقدم خيارات جديدة أمام المواطنين.
الأمر نفسه ينطبق على المجتمع. فثقافة الشكوى وحدها لا تصنع التغيير. نعم، من حق المواطن أن ينتقد، لكن من حق الوطن أيضا أن يستفيد من طاقات أبنائه وأفكارهم ومبادراتهم. فالتغيير الحقيقي يبدأ عندما يتحول النقد إلى اقتراح، والرفض إلى بديل، والتذمر إلى عمل.
لقد علمتنا التجارب أن الأمم لا تتقدم بكثرة الحديث عن مشاكلها، بل بقدرتها على تحويل تلك المشاكل إلى فرص للإصلاح والتطوير. وأن الأزمات مهما كانت صعبة يمكن تجاوزها حين تتوفر الإرادة والكفاءة والرؤية الواضحة.
واليوم، ونحن نعيش تحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية متزايدة، لم يعد السؤال من المسؤول عن المشكل فقط، بل من يمتلك الشجاعة والكفاءة لتقديم الحل؟ ومن يستطيع أن يقنع المواطنين بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الحاضر؟
فالجميع تقريبا يعرف المشكل، والجميع يتحدث عنه، والجميع ينتقده. لكن التحدي الحقيقي يبدأ عند البحث عن الجواب.
ولهذا يبقى السؤال مفتوحا أمام الجميع: كلنا نعرف المشكل… فمن يملك الحل؟