جيل الشهادات… بين حلم الوظيفة وواقع البطالة
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
لم يكن الحصول على الشهادة في يوم من الأيام مجرد ورقة تعلق على الجدران، بل كان بالنسبة إلى آلاف الأسر المغربية مشروع أمل وتضحية. فكم من أب تحمل أعباء الحياة ليضمن لأبنائه مقعدا في الجامعة، وكم من أم اقتطعت من قوتها اليومي حتى ترى ابنها أو ابنتها يحمل شهادة جامعية تفتح لهما أبواب المستقبل.
لكن الواقع الذي يواجهه كثير من الشباب بعد التخرج أصبح مختلفا عما كانوا يحلمون به. فبعد سنوات من الدراسة والاجتهاد، يجد العديد منهم أنفسهم أمام طوابير الانتظار، يتنقلون بين مباريات التوظيف وإعلانات التشغيل ومواقع البحث عن العمل دون أن يعثروا على الفرصة التي كانوا ينتظرونها.
وهنا يطرح سؤال مؤلم نفسه: هل أصبحت الشهادة غير كافية؟
الحقيقة أن الشهادة لا تزال مهمة، بل تظل أساسا لأي مسار مهني ناجح، لكن العالم تغير بشكل كبير. فقد أصبح سوق الشغل اليوم يبحث عن مهارات إضافية إلى جانب التكوين الأكاديمي. يبحث عن القدرة على التواصل، وإتقان اللغات، واستعمال التكنولوجيا، والعمل ضمن فريق، والتكيف مع التحولات السريعة التي يعرفها الاقتصاد.
غير أن تحميل الشباب وحدهم مسؤولية هذا الوضع سيكون أمرا غير منصف. فهناك أيضا أسئلة تفرض نفسها حول مدى ملاءمة بعض التكوينات الجامعية لمتطلبات سوق الشغل، وحول قدرة المنظومة التعليمية على مواكبة التحولات الاقتصادية والمهنية التي يعرفها العالم.
ففي الوقت الذي تتحدث فيه المقاولات عن نقص بعض الكفاءات والمهارات، نجد آلاف الخريجين يبحثون عن فرص عمل دون جدوى. وهي مفارقة تكشف وجود فجوة بين ما يتم تدريسه داخل بعض المؤسسات التعليمية وما يحتاجه الواقع الاقتصادي.
كما أن الاقتصاد الوطني نفسه يواجه تحديًا كبيرا يتمثل في خلق مناصب شغل كافية لاستيعاب الأعداد المتزايدة من الخريجين. فكل سنة تلتحق أفواج جديدة بسوق العمل، بينما تظل فرص التشغيل أقل من حجم الطلب، مما يساهم في ارتفاع معدلات البطالة، خصوصا في صفوف الشباب وحاملي الشهادات.
ومع ذلك، فإن التحدي لا ينبغي أن يتحول إلى استسلام. فالكثير من الشباب استطاعوا تحويل الصعوبات إلى فرص، من خلال تطوير مهاراتهم، وخوض تجارب جديدة، والاستفادة من التكوينات الإضافية، بل والاتجاه نحو ريادة الأعمال والمبادرات الذاتية بدل انتظار الوظيفة التقليدية.
لقد انتهى زمن كان فيه الحصول على الشهادة كافيا لضمان وظيفة مستقرة بشكل تلقائي. أما اليوم، فأصبح النجاح المهني يحتاج إلى التعلم المستمر، وإلى القدرة على اكتساب مهارات جديدة تواكب التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم.
لكن هذا لا يعفي الدولة والمؤسسات التعليمية والقطاع الخاص من مسؤولياتهم. فالشباب لا يحتاجون فقط إلى النصائح حول تطوير الذات، بل يحتاجون أيضا إلى سياسات عمومية قادرة على خلق فرص حقيقية، وإلى منظومة تعليمية أكثر ارتباطا بحاجيات الاقتصاد، وإلى بيئة تشجع المبادرة والابتكار والاستثمار.
إن مستقبل المغرب مرتبط بقدرته على تحويل طاقات شبابه إلى قوة منتجة، لا إلى أرقام جديدة في لوائح البطالة. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن يفقد شبابه الثقة في قيمة العلم والعمل والاجتهاد.
وفي النهاية، تبقى الشهادة خطوة مهمة في طريق النجاح، لكنها لم تعد نهاية الطريق كما كان يعتقد الكثيرون. فبين حلم الوظيفة وواقع البطالة، يظل الرهان الحقيقي هو بناء منظومة تجعل من العلم فرصة للاندماج والإبداع، لا مجرد محطة طويلة في رحلة الانتظار.
لأن الأوطان لا تتقدم بعدد الشهادات التي تمنحها فقط، بل بعدد الفرص التي توفرها لحامليها.