بين القرية والجبل والمدينة… مغربان أم وطن واحد؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
حين نتحدث عن التنمية في المغرب، غالبا ما تتجه الأنظار إلى المدن الكبرى بما تعرفه من طرق سيارة، ومشاريع ضخمة، ومناطق صناعية، ومراكز تجارية حديثة. غير أن صورة المغرب لا تكتمل إذا اكتفينا بالنظر إلى واجهته الحضرية، لأن هناك مغربا آخر يعيش بعيدا عن الأضواء، في القرى والمناطق الجبلية التي ما تزال تنتظر نصيبها الكامل من التنمية.
يكفي أن ينتقل المرء من مدينة كبرى إلى بعض المناطق القروية أو الجبلية حتى يكتشف حجم الفارق. هنا شوارع معبدة وإنارة عمومية وخدمات إدارية وصحية وتعليمية متوفرة نسبيا، وهناك مسالك وعرة، ومراكز صحية تفتقر إلى الأطر والتجهيزات، ومؤسسات تعليمية تبعد كيلومترات عن التلاميذ، وسكان ما زالوا يخوضون معارك يومية من أجل أبسط شروط العيش الكريم.
لا يتعلق الأمر بالمقارنة بين مناطق مختلفة فقط، بل بمسألة عدالة مجالية أصبحت تفرض نفسها بإلحاح. فالمواطن الذي يعيش في قرية نائية أو في أعالي الجبال ليس أقل حقا في التنمية من المواطن الذي يعيش في قلب المدينة. والدستور حين تحدث عن المساواة وتكافؤ الفرص لم يميز بين مواطن وآخر على أساس موقعه الجغرافي.
لقد حقق المغرب خلال السنوات الأخيرة إنجازات مهمة في مجالات البنية التحتية والتجهيزات الأساسية، كما أطلق برامج متعددة لفك العزلة عن العالم القروي وتحسين ظروف العيش فيه. غير أن الواقع يكشف أن الفوارق ما تزال قائمة، وأن جزءا من المغرب ما زال يعيش على إيقاع مختلف عن ذلك الذي نراه في المدن الكبرى.
ولعل أخطر ما في هذه الفوارق أنها لا تقتصر على الطرق أو التجهيزات فقط، بل تمتد إلى الفرص. فالشاب في المدينة يجد أمامه إمكانيات أكبر للتكوين والعمل والاستفادة من الخدمات، بينما يجد نظيره في القرية أو الجبل نفسه مضطرا للهجرة بحثا عن ما يعتبره حقا طبيعيا في التعليم أو الصحة أو الشغل.
وهنا يطرح سؤال جوهري: هل نجحت السياسات العمومية في تحقيق التوازن المطلوب بين مختلف المجالات الترابية؟ أم أن التنمية ما تزال متمركزة في مناطق معينة أكثر من غيرها؟
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في بناء المشاريع الكبرى فقط، بل في ضمان وصول أثرها إلى جميع المواطنين أينما كانوا. فالتنمية الناجحة ليست تلك التي تلمع في مراكز المدن فحسب، بل تلك التي تصل إلى آخر دوار في الجبل وآخر قرية في الهامش.
كما أن ورش الجهوية المتقدمة، الذي جاء برؤية ملكية طموحة، كان من بين أهدافه الأساسية تقليص هذه الفوارق وتحقيق عدالة مجالية حقيقية. لكن ما نشهده اليوم يؤكد أن الطريق ما زال طويلا، وأن هناك حاجة إلى تقييم صريح للسياسات الترابية ومدى قدرتها على تحقيق التوازن المنشود.
إن قوة الأوطان لا تقاس فقط بما تملكه عواصمها ومدنها الكبرى، بل بما يشعر به المواطن البسيط في المناطق البعيدة. فحين يجد سكان الجبال والقرى أنفسهم يتمتعون بالخدمات والفرص نفسها التي يتمتع بها سكان المدن، يمكن الحديث عن تنمية شاملة وعن مواطنة كاملة.
أما إذا استمرت الهوة بين القرية والجبل والمدينة، فإن السؤال سيظل مطروحا: هل نعيش داخل وطن واحد بإيقاع تنموي واحد، أم داخل مغربين تفصل بينهما مسافات أكبر من مجرد الجغرافيا؟
فالعدالة الحقيقية لا تكون فقط بين الأفراد، بل أيضا بين المجالات. والتنمية التي لا تصل إلى الجميع تبقى تنمية ناقصة مهما كانت الأرقام والمؤشرات التي تتحدث عنها التقارير.