حين يصبح الانتماء موقفا… لا مصلحة
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
في العمل السياسي، كما في كل عمل نبيل، لا يقاس الانتماء بعدد السنوات التي يقضيها الإنسان داخل تنظيم معين، ولا بعدد الصور التي يلتقطها، ولا بعدد الشعارات التي يرددها. الانتماء الحقيقي يختبر في المواقف، ويظهر حين تتعارض المصلحة الشخصية مع المصلحة الجماعية، وحين يصبح الوفاء للمؤسسة أغلى من البحث عن الموقع.
لقد أصبح المشهد السياسي، في كثير من الأحيان، يعرف تحولات سريعة في المواقف والانتماءات، حتى بات المواطن يتساءل: هل ما زالت السياسة تقوم على المبادئ، أم أصبحت مجرد وسيلة للوصول إلى المناصب؟ وهل ما زال الالتزام قيمة، أم أصبح مرتبطا بما قد يجنيه صاحبه من مكاسب؟
إن الانتماء إلى أي تنظيم سياسي لا ينبغي أن يكون عقدا مؤقتا ينتهي بانتهاء المصلحة، بل هو قناعة فكرية وإيمان بمشروع جماعي، يقتضي احترام المؤسسات، والاحتكام إلى قوانينها، والقبول بنتائجها، سواء جاءت بما نحب أو بما لا نحب.
فالسياسة ليست طريقا مختصرا نحو المسؤولية، وإنما مسار طويل من التكوين، والتدرج، واكتساب التجربة. ومن يحترم هذا المسار يدرك أن لكل مرحلة رجالها، وأن التداول داخل المؤسسات لا يفسد العلاقات، بل يقويها عندما يكون مبنيا على الاحترام والثقة.
لكن ما يثير القلق هو أن بعض الناس لا يتذكرون قيم الوفاء إلا عندما تكون مصالحهم محفوظة، فإذا تغيرت الظروف، تغيرت معها المواقف، وكأن المشروع الذي كانوا يدافعون عنه بالأمس لم يعد يعنيهم اليوم. وهنا يفقد العمل السياسي روحه، لأن التنظيمات لا تضعف بقلة الإمكانيات، وإنما تضعف عندما تصبح المصالح الشخصية أقوى من المبادئ.
إن المؤسسات القوية لا تبنى بالأشخاص، بل تبنى بالمناضلين الذين يؤمنون بأن نجاح المشروع أهم من نجاح الفرد، وأن الموقع تكليف قبل أن يكون تشريفا. فالمسؤوليات تتغير، والوجوه تتبدل، لكن المؤسسة تبقى، لأنها أكبر من الجميع.
وقد علمتنا التجارب أن أصعب لحظات السياسة ليست تلك التي تتحقق فيها الانتصارات، بل تلك التي تسبق الحسم. ففي تلك اللحظات تظهر معادن الرجال، ويظهر الفرق بين من يرى في الانتماء رسالة، ومن يراه مجرد وسيلة لتحقيق طموح شخصي. فليس كل من بقي داخل المؤسسة بقي وفاء لها، وليس كل من غادرها كان خائنا لها، لكن التاريخ يحكم دائما على المواقف، لا على الادعاءات.
إن احترام المساطر الديمقراطية داخل التنظيمات، والقبول بالتدرج، والاعتراف بأسبقية من سبقوا في العطاء، ليست علامات ضعف، بل هي دليل على النضج السياسي. لأن من لا يحترم الديمقراطية داخل بيته السياسي، يصعب أن يكون مؤمنا بها عندما يتولى تدبير الشأن العام.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يطرحه كل فاعل سياسي على نفسه: هل أنا منتم إلى مشروع لأنني أؤمن به، أم لأنني أبحث عن موقع داخله؟ فإذا كان الجواب هو الإيمان، فلن تغير النتائج من القناعات. أما إذا كان الجواب هو المصلحة، فإن أول منعطف سيكشف الحقيقة.
فالسياسة ليست امتحانا في الوصول إلى المناصب، بل امتحان في الثبات على المبادئ. وحين يصبح الانتماء موقفا لا مصلحة، عندها فقط تبنى المؤسسات، وتقوى الأحزاب، ويكسب الوطن رجالا يضعون المشروع فوق الذات، والمصلحة العامة فوق كل اعتبار.