بين الحق في النقد… وواجب الانصاف
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
لا توجد ديمقراطية حقيقية دون نقد، ولا يمكن لأي مجتمع أن يتطور إذا اعتبر أن المسؤول معصوم من الخطأ، أو أن السياسات العمومية فوق النقاش. فالنقد حق يكفله الدستور، وضرورة لتصحيح المسار، وآلية لمراقبة الأداء ومساءلة من يتحملون المسؤولية.
لكن، في المقابل، هناك قيمة لا تقل أهمية عن النقد، وهي الإنصاف. فالإنصاف يقتضي أن نقول للمخطئ أخطأت، وأن نقول للمحسن أحسنت. أما أن يتحول النقد إلى رفض مطلق لكل شيء، أو أن يصبح المديح إنكارا لكل الإخفاقات، فذلك لا يخدم الحقيقة ولا يخدم الوطن.
لقد أصبح النقاش العمومي، في كثير من الأحيان، أسير منطقين متناقضين؛ منطق يرى أن كل شيء ناجح ولا يقبل أي انتقاد، ومنطق آخر يرى أن كل شيء فاشل ولا يعترف بأي إنجاز. وبين هذين الطرفين تضيع الحقيقة، ويغيب النقاش الرصين الذي يحتاجه أي مجتمع يريد أن يتقدم.
إن الإنصاف لا يعني المجاملة، كما أن النقد لا يعني الخصومة. فالسياسي أو المسؤول الذي ينجز مشروعا يستحق الإشادة بذلك، كما يستحق المحاسبة عندما يقصر أو يخطئ. لأن الغاية من النقد ليست تصفية الحسابات، وإنما تحسين الأداء وخدمة المصلحة العامة.
وللأسف، أصبحنا نعيش في زمن أصبحت فيه المواقف تقاس أحيانا بالانتماءات لا بالوقائع. فإذا صدر قرار من طرف نؤيده اعتبرناه صائبا دون نقاش، وإذا صدر من طرف نختلف معه رفضناه دون تمحيص. وهنا يفقد النقاش العمومي قيمته، لأن الحقيقة لا ترتبط بالأشخاص، بل بالنتائج.
كما أن وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت في تكريس هذا الانقسام، حيث أصبحت الأحكام تصدر بسرعة، وأحيانا دون معرفة كاملة بالوقائع، وأصبح السب والشتم يحلان محل الحجة، والانفعال يحل محل العقل. بينما تحتاج الأوطان إلى ثقافة الحوار أكثر من حاجتها إلى ثقافة التخوين.
إن المسؤولية تقتضي أن نختلف بأدب، وأن ننتقد بموضوعية، وأن ننصف دون تردد. فليس من العدل أن ننكر سنوات من العمل بسبب خطأ واحد، كما ليس من الحكمة أن نغض الطرف عن الإخفاقات بسبب نجاح واحد. فالميزان العادل هو الذي يضع كل شيء في موضعه.
وإذا كانت المعارضة مطالبة بالنقد، فإنها مطالبة أيضا بالإنصاف. وإذا كانت الأغلبية تدافع عن حصيلتها، فإنها مطالبة كذلك بالاعتراف بما لم يتحقق. فالديمقراطية ليست مباراة بين منتصر ومهزوم، بل هي بحث دائم عن أفضل السبل لخدمة المواطن.
إن الأوطان لا تتقدم بالصوت المرتفع، ولا بالمواقف المتشنجة، وإنما تتقدم عندما يكون النقد وسيلة للإصلاح، والإنصاف قاعدة للحكم على الأشخاص والمؤسسات. فالحقيقة لا تكون دائما مع هذا الطرف أو ذاك، وإنما مع من يمتلك الشجاعة ليقول كلمة الحق، ولو خالفت هواه أو مصلحته.
وفي النهاية، يبقى النقد حقا لا يمكن التنازل عنه، لكن الإنصاف واجب لا يجوز التفريط فيه. لأن الأمم التي تنصف قبل أن تحكم، وتستمع قبل أن تدين، هي الأمم التي تبني مستقبلا أكثر عدلا، وأكثر ثقة، وأكثر استقرارا.
فقد نختلف في المواقف، لكن يجب ألا نختلف في قيمة واحدة… وهي الإنصاف.