بقلم: د.فاطمة الزهراء إدريسي عضو المكتب السياسي لحزب الحركة الشعبية.
هناك من يفشل في الحكم، وهناك من يفشل حتى في إنتاج الأفكار. وما نعيشه اليوم يؤكد أن الأغلبية الحكومية جمعت بين الأمرين معاً.
خمس سنوات من التدبير كانت كافية لتكشف حجم الإفلاس الحكومي. أزمات متلاحقة، قطاعات أصابها الشلل، احتجاجات اجتماعية، شباب فقد الأمل وخرج إلى الشارع، وقدرة شرائية تآكلت تحت وطأة الغلاء والمضاربة، بينما اختارت الحكومة الصمت كلما تعقدت الأوضاع، أو لجأت إلى تبرير الفشل بدل معالجته.
لقد كانت الحصيلة ثقيلة على المغاربة. فلا الوعود الكبرى تحققت، ولا الالتزامات الانتخابية وجدت طريقها إلى التنفيذ. والاستثناء الوحيد الذي برعت فيه هذه الحكومة هو إنتاج طبقة جديدة من المضاربين و”الفراقشية” الذين راكموا الأرباح على حساب جيوب المواطنين، في وقت كانت الأسر المغربية تواجه أصعب الظروف الاقتصادية.
لكن الأخطر من الإفلاس في التدبير هو الإفلاس في الخيال السياسي.
فما إن قدم الأمين العام لحزب الحركة الشعبية، محمد أوزين، مشروع التعاقد الحركي باعتباره تصوراً سياسياً جديداً يقوم على أكثر من ثلاثين التزاماً عملياً وقابلاً للتنفيذ، حتى بدأنا نسمع بعض قيادات أحزاب الأغلبية تتحدث فجأة عن “التعاقد”، وكأنهم اكتشفوا المصطلح للتو.
ليس في الأمر مشكلة لو تعلق الأمر بتنافس في خدمة الوطن، لكن المشكلة أن من يتحدث اليوم عن تعاقد جديد هو نفسه من وقع مع المغاربة تعاقداً سنة 2021، ثم لم يلتزم به. لذلك، فإن أول سؤال يفرض نفسه ليس: ما هو تعاقدكم الجديد؟ بل: أين حصيلة تعاقدكم القديم؟
أين مليون منصب الشغل؟ أين الوعود المتعلقة بالصحة والتعليم؟ أين الالتزامات الخاصة بالقدرة الشرائية؟ أين الإصلاحات التي بُشّر بها المغاربة؟ قبل البحث عن عنوان انتخابي جديد، كان الأولى تقديم كشف حساب سياسي وأخلاقي للمواطنين.
فالمغاربة لا يحتاجون إلى إعادة تسويق الشعارات، بل إلى من يتحمل المسؤولية ويملك شجاعة الاعتراف بما تحقق وما لم يتحقق.
لقد كان واضحاً في تقديم التعاقد الحركي أن محمد أوزين وضع قاعدة سياسية بسيطة: إذا أردنا استعادة ثقة المواطنين، فعلينا أن نغادر منطق الوعود الضخمة التي يصعب تحقيقها، وأن ننتقل إلى منطق الالتزامات الواقعية القابلة للقياس والمحاسبة.
وهذا هو الفارق الجوهري بين من يعتبر السياسة صناعة للأمل القائم على الصدق، ومن يعتبرها مجرد تسويق انتخابي يتجدد كل خمس سنوات.
طوال سنوات المعارضة، لم تكن الحركة الشعبية معارضة للرفض فقط، بل كانت معارضة للاقتراح أيضاً. قدمت البدائل، دافعت عن القدرة الشرائية، نبهت إلى الاختلالات قبل وقوعها، واقترحت حلولاً عملية في الاقتصاد، والفلاحة، والتعليم، والصحة، والتشغيل، والإدارة. واليوم جاءت لتجمع هذه الرؤية في تعاقد حركي واضح المعالم، يقوم على الجرأة والواقعية وقابلية التنفيذ.
أما الذين استنفدوا رصيدهم السياسي، فلا يمكنهم استعادة ثقة المواطنين بمجرد استعارة المصطلحات أو تغيير العناوين. فالأفكار يمكن اقتباسها، لكن المصداقية لا تُستنسخ. والشعارات يمكن قرصنتها، لكن الثقة لا تُقرصن.
إن الانتخابات المقبلة لن تكون منافسة بين من يرفع شعار “التعاقد”، بل بين من احترم تعاقده مع المواطنين ومن أخل به. وعندها سيكون الحكم للمغاربة، لأن ذاكرتهم أقوى من كل الشعارات، ولأنهم يدركون أن السياسة تُقاس بالإنجاز، لا بالخطابات، وبالوفاء، لا بالوعود.