حين يصبح الوقت أغلى من المال
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والدبلوماسية
منذ القدم، ارتبط النجاح بالمال، واعتبر كثيرون أن الثروة هي المعيار الأول للتفوق. لكن مع مرور الزمن، أدرك الإنسان حقيقة لا تقبل الجدل: المال يمكن أن يعوض، أما الوقت فلا يعود أبدا. فما يضيع من العمر لا يمكن استرجاعه، مهما امتلك الإنسان من مال أو نفوذ أو سلطة.
فالمال إذا خسرته، تستطيع أن تعمل وتكسب غيره. أما الساعة التي مرت، فلن يمنحك العالم كله فرصة لتعيشها مرة أخرى. ولذلك، كان الوقت ولا يزال أثمن ما يملكه الإنسان، لأنه الوعاء الذي تصنع فيه الأحلام، وتبنى فيه الإنجازات، وتكتب فيه قصص النجاح.
ورغم هذه الحقيقة، فإن كثيرا منا يتعامل مع الوقت وكأنه مورد لا ينفد. نهدر الساعات في أمور لا تضيف إلى حياتنا شيئا، ونؤجل أعمال اليوم إلى الغد، ثم نتساءل بعد سنوات أين ضاع العمر. والحقيقة أن العمر لا يضيع دفعة واحدة، بل يضيع دقيقة بعد دقيقة، وقرارا بعد قرار، وتأجيلا بعد تأجيل.
ولعل الفرق بين الناجحين وغيرهم لا يكمن دائما في الذكاء أو الإمكانيات، بل في طريقة إدارة الوقت. فالجميع يملك أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، لكن هناك من يجعلها استثمارا، وهناك من يجعلها مجرد انتظار. الأول يبني مستقبله كل يوم، والثاني ينتظر أن يتغير المستقبل وحده.
وفي حياتنا اليومية، نرى من يحرص على كل درهم ينفقه، لكنه لا يهتم بالساعات التي تضيع دون فائدة. مع أن المال الذي ينفق بحكمة قد يعود، أما الوقت الذي يهدر فلن يعود مهما كانت الظروف. ولذلك، فإن الإنسان الحكيم لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضا: في ماذا أنفقت وقتي؟
وعلى مستوى الأوطان، لا يقاس التقدم بحجم الموارد وحدها، بل بكيفية استثمار الزمن. فالدول التي تحترم المواعيد، وتختصر المساطر، وتنجز المشاريع في وقتها، هي التي تصنع التنمية. أما حين يصبح التأخير أمرا عاديا، وتضيع الأيام في الانتظار، فإن الخسارة لا تكون في الوقت فقط، بل في الفرص التي تضيع معه.
إن احترام الوقت ليس مجرد سلوك شخصي، بل ثقافة تعكس احترام الإنسان لنفسه وللآخرين. فالذي يحترم موعده، ويحترم التزاماته، ويحسن تنظيم يومه، يرسل رسالة مفادها أن الزمن قيمة لا ينبغي التفريط فيها.
ولا يعني ذلك أن يتحول الإنسان إلى آلة لا تعرف الراحة، فالحياة تحتاج إلى لحظات للهدوء، وللأسرة، وللأصدقاء، وللتأمل. لكن حتى هذه اللحظات تكون ذات قيمة عندما نختارها بوعي، لا عندما نفرضها على أنفسنا بسبب الكسل أو سوء التدبير.
وفي النهاية، سيكتشف كل واحد منا أن أعظم ثروة لم تكن يوما فيما يملك، بل فيما أحسن استثماره من عمره. فالسنوات لا تقاس بعددها، وإنما بما امتلأت به من عمل، وعلم، وخير، وأثر يبقى بعد رحيل الإنسان.
فالمال قد يشتري أشياء كثيرة، لكنه لن يشتري دقيقة واحدة من الزمن. لذلك، لا تجعل همك أن تجمع المال فقط، بل اجعل همك أن تجعل كل يوم من عمرك يستحق أن يضاف إلى رصيد حياتك. فالوقت ليس أغلى من المال فحسب… بل هو الحياة نفسها.