ولد حومتي أولا: حين يكون القرب من الناس جزءا من حسن الاختيار

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

مع انطلاق الحملة الانتخابية التشريعية، يعود المواطن إلى قلب المشهد السياسي باعتباره صاحب القرار الحقيقي. تتعدد البرامج، وتتغير الشعارات، وتتنافس الوجوه، لكن في النهاية يبقى السؤال الذي يواجه كل ناخب: لمن أمنح صوتي؟ ومن هو الشخص الذي أريده أن يحمل صوتي إلى البرلمان ويدافع عن مصالح منطقتي وساكنتها؟

في اعتقادي، لا ينبغي أن نخجل من الإجابة البسيطة: صوتي لولد حومتي.

قد يعتبر البعض أن التصويت على أساس الانتماء المحلي نوع من الضيق في الاختيار، لكن الأمر ليس كذلك بالضرورة. فابن الحومة أو ابن المنطقة يعرف الناس الذين يعيش بينهم، ويعرف تفاصيل المكان، ويعرف مشاكله الحقيقية، ويعرف ما لا يظهر في التقارير الرسمية ولا في الخطابات الانتخابية. هو الذي عاش مع الناس ظروفهم، ورأى مدارسهم، وطرقهم، ومشاكلهم اليومية، وسمع مطالبهم قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية.

القرب هنا ليس عصبية، وإنما معرفة.

وعندما يكون المرشح ابن المنطقة، فإن العلاقة بينه وبين الناخب لا تبدأ يوم الانتخابات ولا تنتهي بإغلاق صناديق الاقتراع. فهو شخص يمكن أن يلتقي به المواطن في الشارع، وفي الحي، وفي المناسبات الاجتماعية، ويمكن أن يسأله مباشرة عن مواقفه وعن أدائه وعن الوعود التي قدمها. وهذه المساءلة اليومية قيمة سياسية لا ينبغي الاستهانة بها.

لكن “ولد حومتي” وحدها ليست كافية.

فالانتماء الجغرافي يمنح القرب، لكنه لا يمنح الكفاءة تلقائيا. ومعرفة الناس لا تعني بالضرورة القدرة على تمثيلهم داخل مؤسسة تشريعية. ولذلك فإن الاختيار الصحيح في نظري هو أن نبدأ بالقرب، ثم نبحث عن الكفاءة، وننظر إلى المسار، ونفحص النزاهة، ونسأل عن النجاح الذي حققه المرشح في حياته قبل أن يطلب منا أن نمنحه مسؤولية تمثيلنا.

هنا يصبح ولد حومتي الكفء أفضل من الغريب الذي لا يعرف المنطقة، عندما تتوفر فيه شروط التمثيل الحقيقي.

فالبرلمان ليس حلبة للخطابة فقط. النائب مطالب بفهم القانون، ومناقشة التشريعات، ومراقبة العمل الحكومي، والترافع عن قضايا المواطنين، وفهم السياسات العمومية، والتعامل مع ملفات اقتصادية واجتماعية ومؤسساتية معقدة. ولذلك فإن القرب يجب أن يكون مدخلا للثقة، بينما تكون الكفاءة أساسا للاستحقاق.

وأعتقد أن هناك معيارا آخر ينبغي ألا نهمله: ماذا فعل هذا الإنسان في حياته قبل أن يدخل السياسة؟

فالسياسة لا ينبغي أن تكون الطريق الوحيد الذي يعرفه الإنسان نحو النجاح. من الأفضل أن نختار شخصا له مسار واضح، نجح في دراسته أو مهنته أو مشروعه أو عمله الجمعوي، وخاض تجارب حقيقية، وتحمل المسؤولية، وواجه الفشل قبل النجاح، وعرف معنى العمل والالتزام والانضباط.

لأن الذي نجح في حياته يستطيع أن يقدم نفسه للشباب باعتباره نموذجا، لا باعتباره مجرد مرشح.

وهنا تحديدا يصبح الاختيار السياسي أكثر نضجا. نحن لا نبحث فقط عن شخص يعرفنا، بل عن شخص نعرفه ونعرف مساره. نعرف أخلاقه قبل أن نعرف شعاره، ونعرف عمله قبل أن نسمع برنامجه، ونعرف قدرته على تحمل المسؤولية قبل أن نسمع وعوده.

إن ابن الحومة الذي ظل قريبا من الناس، ونجح في حياته، واكتسب المعرفة والخبرة، وحافظ على سمعته ونزاهته، يمتلك رصيدا لا يمكن أن تمنحه الحملة الانتخابية في أسابيع قليلة.

ولذلك فإن عبارة “ولد حومتي” يمكن أن تستعيد معناها السياسي الحقيقي.

ليست دعوة إلى إقصاء الآخرين، وليست رفضا للكفاءة القادمة من خارج المنطقة، وليست انغلاقا على الانتماء الجغرافي. وإنما هي تفضيل طبيعي لمن يجمع بين **القرب والمعرفة والكفاءة والنجاح والنزاهة**.

فإذا كان أمامي مرشحان، أحدهما يعرف منطقتي من خلال الملفات والتقارير، والآخر عاش فيها وعرف ناسها ومشاكلها ونجح في مساره ويمتلك الكفاءة اللازمة للتمثيل، فمن الطبيعي أن أميل إلى من يجمع بين المعرفة المباشرة والاستحقاق.

وهذا ليس عيبا في الديمقراطية، بل جزء من منطق التمثيل.

فالناخب لا يختار خبيرا مجردا لإدارة الدولة من بعيد، وإنما يختار ممثلا يحمل جزءا من صوته ومصالحه وانشغالاته إلى مؤسسة وطنية. ولذلك فإن القرب من المجتمع الذي سيمثله النائب قيمة سياسية حقيقية، ما دام هذا القرب لا يتحول إلى بديل عن الكفاءة.

والأهم من ذلك أن الناخب يجب ألا يسمح بتحويل “ولد حومتي” إلى مجرد شعار انتخابي.

إذا كان المرشح ابن الحومة، فلنسأله: ماذا قدم لها قبل الانتخابات؟ وإذا كان قريبا من الناس، فلنسأله: أين كان عندما لم تكن هناك صناديق اقتراع؟ وإذا كان ناجحا في حياته، فلنسأله: ما الذي يمكن أن ينقل من تجربته إلى العمل العام؟ وإذا كان يطلب ثقتنا، فلننظر إلى تاريخه قبل أن نستمع إلى وعوده.

بهذه الطريقة يصبح القرب قيمة سياسية حقيقية، وليس مجرد وسيلة لاستدرار العاطفة.

لقد حان الوقت أيضا لكي نغير نظرتنا إلى النائب البرلماني. النائب ليس مجرد وسيط لقضاء بعض الحاجات الفردية، وليس دوره أن يفتح الأبواب أمام هذا المواطن أو ذاك. دوره أوسع من ذلك بكثير: أن يشرع، ويراقب، ويترافع، ويقترح، ويشارك في صناعة القرار الوطني.

ومن هنا فإن أفضل “ولد حومتي” ليس من يستطيع أن يقضي لي مصلحة شخصية، وإنما من يستطيع أن يدافع عن مصلحة جماعية.

ليس من يَعِدني بوظيفة، وإنما من يستطيع أن يساهم في صناعة سياسات تخلق فرصا للشغل.

ليس من يعرف كيف يصل إلى المسؤول، وإنما من يعرف كيف يراقب المسؤول.

وليس من يطلب صوتي مقابل خدمة، وإنما من يستحق صوتي لأنه قادر على تحويله إلى مسؤولية عامة.

وهكذا يصبح التصويت لولد الحومة انتقالا من منطق العلاقة الشخصية إلى منطق التمثيل الحقيقي.

نحن بحاجة إلى أن نعيد للانتخابات معناها. لا نريد أن نختار فقط من يملك المال أو أكبر شبكة علاقات أو أكثر قدرة على تنظيم الولائم والتجمعات. نريد أن نختار من نعرفه، ومن نثق فيه، ومن نعرف تاريخه، ومن نرى فيه نموذجا يمكن أن نفتخر به عندما نراه داخل المؤسسة التشريعية.

إن الديمقراطية تبدأ من الاختيار، والاختيار يبدأ من المعايير.

وأنا شخصيا أرى أن من حق المواطن أن يقول بكل وضوح: **أريد ولد حومتي.** لكن عليه أن يضيف مباشرة: **ولد حومتي الذي يستحق صوتي.**

أريده قريبا مني، لكن ليس فقط في المسافة الجغرافية.

أريده قريبا من الناس، وقريبا من مشاكلهم، وقريبا من هموم منطقتهم.

أريده ناجحا في حياته، حتى أعرف أنه قادر على تحمل مسؤولية أكبر.

أريده كفؤا، حتى لا يكون وجوده في البرلمان مجرد حضور عددي.

أريده نزيها، حتى لا يتحول صوتي إلى استثمار شخصي.

وأريده قادرا على أن يجعل من انتمائه إلى المنطقة قوة للترافع عنها، لا ذريعة للانغلاق عليها.

في النهاية، ليست القضية أن يكون المرشح “ولد حومتي” أو “ولد منطقة أخرى”، وإنما أن يكون قريبا من الناس وقادرا على تمثيلهم. لكن عندما نجد هذه الصفات مجتمعة في ابن منطقتنا، فإن التصويت له يصبح اختيارا منطقيا ومشروعا، لأنه يجمع بين المعرفة المباشرة بالمجتمع والاستحقاق السياسي.

نعم، صوتي لولد حومتي، لكن ليس لأنه ولد حومتي فقط. صوتي له لأنه يعرف حومتي، ويعرف أهلها، ويفهم مشاكلها، ونجح في حياته، ويمتلك الكفاءة والنزاهة التي تؤهله لأن يحمل صوتها إلى البرلمان.

ففي الانتخابات، لا نحتاج فقط إلى من يمثل منطقتنا في الخريطة، بل إلى من يمثلها بجدارة داخل مؤسسة الوطن.

ولد حومتي أولا، إذا كان ولد المسؤولية أيضا.