من يملك الصوت لا يملك الوطن: حين تختزل السياسة في الولاءات
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
في كل موسم انتخابي، تظهر في المشهد السياسي عبارات تبدو في ظاهرها عادية، لكنها تكشف في عمقها عن تصور كامل للسياسة والسلطة.
“هذا عندي.”
“هذا من رجالي.”
“هذه المنطقة مضمونة.”
“عندي أصوات كافية.”
عبارات قد تمر عابرة في النقاشات الانتخابية، لكنها تحمل دلالة سياسية عميقة: عندما يبدأ السياسي في الحديث عن المواطنين باعتبارهم “أصواتا مملوكة”، فإننا لا نكون أمام مجرد لغة انتخابية، وإنما أمام تحول خطير في معنى التمثيل السياسي.
فالمواطن لا يملكه أحد.
والصوت الانتخابي لا يدخل في ملكية المرشح.
والوطن ليس شبكة من الولاءات الشخصية.
هذه ليست مجرد ملاحظات أخلاقية، بل هي مسألة ترتبط بجوهر الدولة الحديثة وبالمفهوم الدستوري للمواطنة.
فالانتخابات، في معناها الحقيقي، لا تمنح السياسي ملكية على المواطنين الذين صوتوا له، وإنما تمنحه تفويضا مؤقتا لممارسة وظيفة تمثيلية.
وهنا يكمن الفرق الكبير بين من يفهم السياسة باعتبارها مسؤولية، ومن يفهمها باعتبارها نفوذا.
في الحالة الأولى، يصبح الفوز الانتخابي بداية للمساءلة.
وفي الحالة الثانية، يصبح الفوز نهاية لها.
ومن أخطر التحولات التي يمكن أن تصيب الحياة السياسية أن تتحول العلاقات الانتخابية إلى علاقات ولاء شخصي: ناخب يصوت لأنه “تابع” لهذا الشخص، وفاعل سياسي يدعم هذا المسؤول لأنه “من جماعته”، ومناضل يغير موقعه السياسي لأن ميزان القوة تغير.
عندها تتراجع فكرة المواطنة لصالح فكرة الولاء.
والدولة الحديثة لا تقوم على الولاءات الشخصية، وإنما على المؤسسات والقانون والمساواة في الحقوق والواجبات.
لقد كانت الدولة التقليدية، في مراحل تاريخية مختلفة، تقوم في جانب منها على روابط الشخص بالشخص، والتابع بالمتبوع، والزعيم بالجماعة. أما الدولة الدستورية الحديثة فقد جاءت لتتجاوز هذا المنطق، وتستبدله بعلاقة أكثر تجريدا: المواطن والدولة.
المواطن لا يحتاج إلى زعيم يحميه بقدر ما يحتاج إلى مؤسسة تحمي حقه.
ولا يحتاج إلى وسيط يفتح له الباب بقدر ما يحتاج إلى قانون يضمن له حق الدخول من الباب نفسه.
وهنا تصبح خطورة السياسة القائمة على الولاءات واضحة.
لأنها لا تنتج مواطنا مستقلا، وإنما تنتج مواطنا يبحث عن شخص يحمي مصالحه.
ولا تنتج مسؤولا يخضع للمؤسسات، وإنما قد تنتج مسؤولا يشعر بأن شرعيته مصدرها شبكته الشخصية.
ومن منظور العلوم السياسية، يمكن أن يندرج هذا ضمن ما يعرف بـ الزبونية السياسية؛ حيث تتحول العلاقة بين الفاعل السياسي والمواطن من علاقة تمثيل سياسي قائمة على البرامج والسياسات إلى علاقة تبادل للمنافع والنفوذ.
وفي هذه الحالة، يصبح السؤال الانتخابي:
“ماذا ستفعل من أجل المدينة أو المنطقة؟”
أقل أهمية من سؤال:
“ماذا ستفعل من أجلي؟”
وهنا تبدأ الديمقراطية في فقدان جزء من معناها.
فالسياسي الذي يجمع حوله شبكة من الولاءات قد ينجح في الانتخابات، لكنه لا يكون بالضرورة قد نجح في بناء ثقافة سياسية سليمة.
والأخطر من ذلك أن بعض المواطنين أنفسهم قد يقبلون بهذا المنطق عندما يشعرون أن المؤسسات بعيدة عنهم، وأن الوصول إلى حقوقهم يحتاج إلى وسيط أو علاقة أو انتماء.
وهنا لا ينبغي تحميل المواطن وحده مسؤولية الظاهرة.
لأن انتشار الولاءات الشخصية قد يكون في بعض الأحيان نتيجة طبيعية لضعف الثقة في المؤسسات.
عندما يشعر المواطن أن القانون وحده لا يكفي لحل مشكلته، يبدأ في البحث عن شخص.
وعندما يشعر أن المؤسسة لا تستمع إليه، يبحث عن وسيط.
وعندما تصبح الخدمات والفرص مرتبطة بالعلاقات، يصبح النفوذ السياسي عملة اجتماعية.
ومن هنا، فإن محاربة هذه الثقافة لا تكون فقط بالدعوة الأخلاقية إلى النزاهة، وإنما ببناء مؤسسات تجعل المواطن لا يحتاج إلى الولاء لأحد حتى يحصل على حقه.
وهذا هو جوهر دولة القانون.
ففي دولة القانون، لا ينبغي أن يكون السؤال:
“من تعرف؟”
بل:
“ما هو حقك؟”
ولا ينبغي أن يكون الوصول إلى المسؤول امتيازا، وإنما جزءا من علاقة مؤسساتية واضحة.
ولا ينبغي أن يكون المواطن مضطرا إلى الانتماء إلى شبكة سياسية حتى يشعر بأنه مواطن كامل الحقوق.
إن السياسة عندما تختزل في الولاءات، تخسر أهم ما يجعلها سياسة: الفكرة.
لأن الولاء للأشخاص يمكن أن يتغير بتغير المصالح، أما الولاء للمبادئ فيبقى حتى عندما تتغير المواقع.
وهنا تظهر أهمية الأحزاب السياسية باعتبارها مؤسسات للتأطير السياسي، لا مجرد آلات انتخابية.
الحزب الذي ينجح فقط في جمع الأصوات قد يفوز في الانتخابات، لكنه لا يبني بالضرورة نخبا سياسية.
أما الحزب الذي يربي على الاختلاف، والنقاش، والبرنامج، والمساءلة، واحترام المؤسسات، فإنه يساهم في بناء الدولة حتى عندما يكون في المعارضة.
وهذا هو الفارق بين العمل السياسي والمشروع السياسي.
العمل السياسي قد ينتهي بانتهاء الانتخابات.
أما المشروع السياسي الحقيقي فيتجاوز الانتخابات والأشخاص والأجيال.
وفي السياق نفسه، فإن المسؤول الذي يعتقد أن الأصوات التي أوصلته إلى البرلمان أو المجالس المنتخبة أصبحت ملكا شخصيا له، يسيء فهم معنى التمثيل.
فالنائب لا يمثل فقط من صوتوا له.
والمستشار الجماعي لا يمثل فقط جماعته الانتخابية.
والمسؤول العمومي، بمجرد وصوله إلى موقع المسؤولية، يصبح مطالبا بالنظر إلى المصلحة العامة، لا إلى دائرة الولاءات التي ساهمت في وصوله.
وهنا تحديدا تظهر قيمة الدستور.
فالدستور لا ينظم فقط توزيع السلطات، وإنما يؤسس لفكرة أعمق: أن السلطة ليست ملكا لأحد.
الحكومة ليست ملكا لحزب.
والبرلمان ليس ملكا للنواب.
والجماعات الترابية ليست ملكا لرؤسائها.
والمؤسسات ليست ملكا للأشخاص الذين يديرونها.
كل هؤلاء يمارسون وظائف عامة لفترة محددة، وتحت رقابة القانون والمؤسسات.
ولهذا، فإن أخطر لحظة في الحياة السياسية هي اللحظة التي يبدأ فيها المسؤول في الاعتقاد بأن المؤسسة أصبحت جزءا من نفوذه الشخصي.
عندها يتحول المنصب من مسؤولية إلى ملكية معنوية.
وتتحول السياسة من خدمة عامة إلى شبكة مصالح.
وتتحول الانتخابات من ممارسة ديمقراطية إلى آلية لإعادة إنتاج النفوذ.
لكن الوطن أكبر من كل هذه الحسابات.
من يملك الصوت لا يملك الوطن.
ومن يملك الأغلبية لا يملك الحقيقة.
ومن يفوز في الانتخابات لا يملك المواطنين.
إنه يملك فقط تفويضا مؤقتا، مشروطا باحترام القانون، وخدمة الصالح العام، والخضوع للمساءلة.
وهنا يجب أن نعيد الاعتبار إلى معنى السياسة باعتبارها فنا لإدارة الاختلاف، وممارسة للسلطة في إطار المسؤولية، ووسيلة لتحقيق المصلحة العامة.
فلا يمكن بناء ديمقراطية قوية بعقلية “هذا من رجالي”، ولا بناء دولة مؤسسات بمنطق “هذه منطقتي”، ولا بناء مواطنة حقيقية بمنطق “هذا صوتي”.
الأصوات ليست ملكا لأحد.
والولاءات ليست بديلا عن البرامج.
والنفوذ ليس بديلا عن المؤسسات.
وفي النهاية، قد يستطيع السياسي أن يجمع حوله مئات أو آلاف الأصوات، لكنه لا يستطيع أن يملك أصحابها. وقد يستطيع أن يبني شبكة واسعة من الولاءات، لكنه لن يستطيع أن يجعلها أقوى من الدولة.
لأن المواطن، في دولة القانون، لا ينتمي إلى شخص.
المواطن ينتمي إلى وطن.
وحين نفهم هذه الحقيقة، تبدأ السياسة في استعادة معناها الحقيقي: منطق البرامج بدل الولاءات، ومنطق المؤسسات بدل الأشخاص، ومنطق المواطنة بدل التبعية.
فالأوطان لا تبنى بمن يملك أكبر عدد من الأصوات، وإنما بمن يعرف أن كل صوت أمانة، وأن كل منصب مسؤولية، وأن الوطن ليس ملكا لأحد.