بين خطاب الدولة وواقع المواطن: أين ضاعت الثقة؟
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
في السياسة، لا توجد عملة أكثر قيمة من الثقة، ولا توجد خسارة أخطر على المؤسسات من أن يشعر المواطن بأن المسافة بين ما يسمعه من خطابات وما يعيشه في حياته اليومية أصبحت أكبر من أن تردم بالتصريحات والوعود. فالدولة قد تقدم أرقاما عن النمو، وتتحدث عن المشاريع والاستثمارات والإصلاحات، وقد تستعرض مؤسساتها حصيلة ما أنجزته من برامج، لكن المواطن في النهاية لا يقيس الدولة من خلال البيانات الرسمية وحدها، وإنما من خلال ما يلمسه في المستشفى والمدرسة والإدارة وسوق الشغل والأسعار والنقل والسكن، ومن خلال قدرته على أن يعيش بكرامة وأن يشعر بأن المؤسسات التي تتحدث باسمه قادرة فعلا على الاستجابة لانتظاراته.
وهنا تبدأ أزمة الثقة. فهي لا تولد بالضرورة من غياب الإنجازات، ولا تعني أن الدولة لم تحقق شيئا، وإنما تظهر عندما يصبح هناك انفصال بين الإنجاز كما تقدمه المؤسسات، والأثر كما يراه المواطن. قد تكون هناك مشاريع حقيقية، ومؤشرات اقتصادية إيجابية، وإصلاحات مؤسساتية مهمة، لكن إذا لم يشعر المواطن بأن هذه الدينامية تنعكس على حياته اليومية، فإن الرقم يفقد جزءا من قوته الإقناعية، ويصبح الخطاب الرسمي عاجزا عن إنتاج الثقة التي يفترض أن تنتجها السياسات العمومية.
وهذه ليست مجرد مسألة تواصل سياسي، وإنما قضية ترتبط بجوهر الشرعية الديمقراطية. فالشرعية في الدولة الحديثة لا تبنى فقط على الانتخابات والمؤسسات الدستورية، وإنما تتعزز أيضا بقدرة المؤسسات على تحقيق النتائج والاستجابة للحاجات الاجتماعية. ولهذا فإن المواطن لا يسأل فقط: ماذا قالت الحكومة؟ وإنما يسأل السؤال الأكثر حساسية: ماذا تغير فعلا في حياتي؟
إن الفرق بين السؤالين هو بالضبط الفرق بين السياسة باعتبارها خطابا، والسياسة باعتبارها أثرا.
وقد أدركت المؤسسات المغربية نفسها أهمية هذه المسألة، إذ أصبحت الحكامة، والشفافية، وتقييم السياسات العمومية، وتحسين جودة الخدمات، وتقريب الإدارة من المواطن، عناوين أساسية في الخطاب المؤسساتي. كما أن إصلاح السياسات العمومية يتجه، رسميا، نحو التركيز على النتائج والأثر على المواطن، وليس فقط على حجم البرامج والاعتمادات والمشاريع المعلنة.
لكن التحدي الحقيقي يبدأ عند الانتقال من النصوص والمبادئ إلى الواقع.
فالمواطن لا يعيش داخل التقارير، ولا يستهلك الخطاب المؤسساتي كما هو منشور في المواقع الرسمية. المواطن يعيش تفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه تختصر معنى الدولة كلها: موعد طبي ينتظره، مدرسة يبحث فيها عن تعليم جيد لأبنائه، وظيفة يحاول الوصول إليها، إدارة يريد أن تنهي ملفه، راتب يحاول أن يكفي به أسرته، وأسعار ترتفع أو تنخفض، وحي يريد أن يجد فيه خدمة عمومية محترمة. ومن خلال هذه التفاصيل اليومية تتشكل صورته عن الدولة ومؤسساتها.
ولهذا فإن الحديث عن الثقة ينبغي ألا يتحول إلى مطالبة المواطن بأن يثق، وإنما إلى سؤال المؤسسات: ما الذي فعلناه حتى يستحق المواطن أن يثق؟
الثقة لا تطلب ببلاغ، ولا تفرض بخطاب، ولا تبنى بحملة تواصلية. إنها نتيجة طبيعية لتجربة المواطن مع مؤسساته. فإذا وجد الإدارة تستمع إليه، والقانون يطبق عليه وعلى غيره بالمعايير نفسها، والمسؤول يتحمل مسؤولية قراراته، والسياسات العمومية تخضع للتقييم، والموارد العمومية تدار بشفافية، فإن الثقة تبدأ في التراكم. أما عندما يشعر المواطن بأن المسؤولية بلا محاسبة، وأن الوعود أكثر من النتائج، وأن بعض الفئات تستفيد من الفرص أكثر من غيرها، فإن الثقة تبدأ في التآكل حتى لو ظل الخطاب الرسمي مليئا بالمؤشرات الإيجابية.
وهنا تبرز أهمية مبدأ دستوري أساسي هو ربط المسؤولية بالمحاسبة. فهذا المبدأ ليس مجرد عبارة دستورية جميلة، وإنما هو أحد الشروط الأساسية لبناء الثقة في المؤسسات. فالمواطن يريد أن يعرف من اتخذ القرار، ولماذا اتخذه، وما النتائج التي ترتبت عنه، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق إذا لم تتحقق الأهداف. والدولة التي تمتلك مؤسسات رقابة وتقييم ومساءلة تكون أكثر قدرة على تصحيح أخطائها، وبالتالي أكثر قدرة على حماية ثقة المواطنين.
المشكلة إذن ليست في أن تخطئ المؤسسات؛ فالخطأ جزء من العمل السياسي والإداري. المشكلة تبدأ عندما يصبح الاعتراف بالخطأ أصعب من ارتكابه، وعندما تتحول المسؤولية إلى دفاع دائم عن الحصيلة، حتى عندما تكشف الوقائع وجود اختلالات تحتاج إلى مراجعة. ففي السياسة الديمقراطية، الاعتراف بالفشل ليس هزيمة، بل يمكن أن يكون بداية للإصلاح.
ومن هنا يجب أن نعيد النظر أيضا في علاقتنا بالأرقام. فالأرقام مهمة، ولا يمكن إدارة دولة حديثة من دون مؤشرات وإحصائيات ومعطيات دقيقة. لكن الرقم الاقتصادي لا يصبح مقنعا للمواطن إلا عندما يتحول إلى أثر اجتماعي. يمكن أن نتحدث عن نسب النمو والاستثمار والصادرات، وهي مؤشرات مهمة لقياس صحة الاقتصاد، لكن المواطن سيظل يسأل: ماذا عن دخلي؟ ماذا عن فرص العمل؟ ماذا عن جودة التعليم؟ ماذا عن الخدمات الصحية؟ ماذا عن القدرة على تحمل تكاليف الحياة؟
وهنا لا ينبغي وضع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية في مواجهة بعضها البعض، وإنما ينبغي فهم العلاقة بينها. فنجاح الاقتصاد لا يكتمل إذا لم يتحول إلى فرص وعدالة اجتماعية وتحسن في جودة الحياة، كما أن العدالة الاجتماعية لا يمكن أن تستمر دون اقتصاد قادر على إنتاج الثروة. ولذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الدولة ليس فقط تحقيق النمو، وإنما ضمان أن يتحول النمو إلى تنمية يشعر بها المواطن.
وفي هذا السياق، تصبح الفوارق الاجتماعية والمجالية من أكثر العوامل تأثيرا في الثقة. فالمواطن الذي يرى أن الخدمات العمومية تختلف جذريا بين منطقة وأخرى، أو أن الفرص الاقتصادية لا تتوزع بالقدر نفسه، قد لا ينكر وجود التنمية، لكنه قد يشعر أن هذه التنمية لا تخصه بالقدر الكافي. ولذلك فإن العدالة المجالية ليست فقط قضية تنموية، وإنما هي أيضا قضية ثقة سياسية.
والأمر نفسه ينطبق على الإدارة. فالإصلاح الإداري والرقمنة وتبسيط المساطر ليست مجرد أوراش تقنية، وإنما هي أدوات لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن. وقد جعلت السياسات العمومية المغربية من تبسيط المساطر والرقمنة وتحسين جودة الخدمات أحد مداخل تعزيز الثقة بين الإدارة والمرتفق.
لكن المواطن في النهاية لا يريد أن يسمع فقط أن الإدارة أصبحت رقمية؛ يريد أن يلمس أن معاملته أصبحت أسرع، وأن حقوقه أصبحت أوضح، وأنه لم يعد مضطرا إلى استهلاك الوقت والجهد في مساطر معقدة. هنا فقط تتحول الرقمنة من مشروع تقني إلى تجربة مواطنية.
ومن زاوية العلوم السياسية، يمكن القول إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمؤسسات ليس أن ينتقدها المواطن، وإنما أن يتوقف عن انتظار شيء منها. فالانتقاد يعني أن المواطن ما زال يرى إمكانية الإصلاح، أما اللامبالاة فهي علامة أكثر خطورة، لأنها تعني أن المؤسسة فقدت قدرتها على التأثير في توقعات المواطن.
ولهذا فإن الثقة ليست اتفاقا دائما بين المواطن والدولة، وليست تعني أن المواطن يجب أن يوافق على كل السياسات. على العكس، الديمقراطية الصحية تقوم على الاختلاف والنقد والاحتجاج والمساءلة. المواطن الواثق ليس بالضرورة مواطنا مؤيدا، وإنما هو مواطن يؤمن بأن صوته له معنى، وأن المؤسسات تستمع إليه، وأن القواعد تطبق على الجميع، وأن بإمكانه تغيير السياسات عبر الوسائل الديمقراطية والمؤسساتية.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة: الدولة لا تحتاج إلى مواطن يصفق لها، وإنما إلى مواطن يثق في مؤسساتها حتى عندما يختلف معها.
وهذا هو الفارق بين الثقة والولاء. الولاء قد يكون عاطفيا، أما الثقة فهي علاقة عقلانية تقوم على التجربة. المواطن قد يحب وطنه بشكل مطلق، لكنه يستطيع في الوقت نفسه أن ينتقد الحكومة والإدارة والسياسات العمومية. بل إن النقد، في كثير من الأحيان، يمكن أن يكون تعبيرا عن قوة الانتماء وليس عن ضعفه، لأن المواطن الذي يطالب بتحسين المدرسة والمستشفى والإدارة وفرص العمل إنما يطالب بأن تكون الدولة في مستوى تطلعاته.
ومن هنا، فإن معالجة أزمة الثقة لا تبدأ من حملات العلاقات العامة، وإنما من الواقع. تبدأ من تحسين الخدمات، ومحاربة الفساد، وتقوية المؤسسات الرقابية، وتقييم السياسات العمومية، وتحقيق العدالة المجالية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وضمان تكافؤ الفرص، ثم يأتي التواصل ليشرح ما تم إنجازه وما لم يتم إنجازه.
فالمواطن يستطيع أن يتفهم صعوبة المرحلة، ويمكنه أن يقبل بأن بعض الإصلاحات تحتاج إلى وقت، لكنه يصبح أقل استعدادا لتقبل الخطاب عندما يشعر بأن هناك مسافة كبيرة بين ما يسمعه وما يعيشه.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس: هل يثق المواطن في الدولة؟ وإنما: هل تقدم الدولة للمواطن ما يكفي من الأسباب حتى يثق؟
إن بناء الثقة مشروع طويل، بينما هدمها قد يحتاج إلى قرار واحد سيئ أو فضيحة واحدة أو وعد كبير لم ينفذ. ولهذا تحتاج المؤسسات إلى قدر كبير من الحساسية تجاه صورة الدولة في عين المواطن، لأن كل تجربة سيئة مع الإدارة، وكل شعور بالظلم، وكل وعد لا يجد طريقه إلى الواقع، يضيف حجرا جديدا إلى جدار عدم الثقة.
لكن في المقابل، كل خدمة جيدة، وكل قرار عادل، وكل مسؤول يتحمل مسؤوليته، وكل مؤسسة تفتح أبوابها للنقد، وكل سياسة عمومية تحقق أثرا ملموسا، تضع حجرا جديدا في بناء الثقة.
وفي النهاية، لا يمكن اختزال المغرب في حصيلة حكومة، ولا اختزال الدولة في أداء إدارة، ولا اختزال المواطن في رقم داخل استطلاع للرأي. العلاقة بين الدولة والمجتمع أعمق من ذلك بكثير، وهي علاقة تاريخية ومؤسساتية وسياسية واجتماعية تحتاج إلى تجديد دائم.
لقد قطع المغرب أشواطا مهمة في بناء المؤسسات والإصلاحات، لكن المرحلة المقبلة تفرض تحديا أكثر دقة: كيف نحول الإنجاز من رقم إلى أثر، والسياسة من وعد إلى نتيجة، والمؤسسة من عنوان إلى خدمة، والدولة من خطاب يسمعه المواطن إلى واقع يلمسه؟
فالثقة لا تُبنى عندما نقول للمواطن إن الأمور بخير، وإنما عندما نجعله يشعر بأن الأمور تتحسن فعلا.
ولا تضيع الثقة في لحظة واحدة، كما أنها لا تعود بخطاب واحد.
إنها تبنى كل يوم، في الإدارة، وفي المدرسة، وفي المستشفى، وفي سوق الشغل، وفي القضاء، وفي السياسة، وفي علاقة المسؤول بالمواطن.
ولهذا، فإن السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحا أمام كل المؤسسات ليس: ماذا قلنا للمواطن؟ وإنما: ماذا جعلناه يلمس؟
فبين خطاب الدولة وواقع المواطن، توجد المسافة التي تحدد في النهاية حجم الثقة.
وحين تتقلص هذه المسافة، تقوى الدولة. وحين تتسع، يبدأ السؤال: أين ضاعت الثقة؟