لماذا اخترت الحركة الشعبية؟ من الوفاء للتاريخ إلى رهان «البديل الحركي»

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

كثيرون يسألونني اليوم: لماذا اخترت الحركة الشعبية؟ وما الذي وجدته في هذا الحزب حتى أواصل فيه كل هذه السنوات، وأدافع عن مشروعه وأختياراته وأجد نفسي معنيا بمستقبله؟ والجواب بالنسبة إلي ليس وليد لحظة سياسية عابرة، ولا نتيجة حساب انتخابي ظرفي، ولا بحثا عن موقع أو امتياز، لأن علاقتي بالحركة الشعبية تعود إلى سنة 2002، أي أنني التحقت بهذا الحزب منذ أكثر من عقدين، وعشت معه مراحل متعددة، واختلفت معه أحيانا، واتفقْت معه أحيانا أخرى، لكنني ظللت أرى فيه فضاء سياسيا يحمل جزءا من القيم التي أؤمن بها، ويمنحني إمكانية المساهمة في الحياة العامة من داخل مؤسسة سياسية لها تاريخها وذاكرتها وامتدادها داخل المجتمع المغربي.

ومن المهم بالنسبة إلي أن أوضح هذه النقطة، لأن السياسة في نظري لا يمكن أن تختزل في لحظة انتخابية أو في موقع تنظيمي. فمن يعرف معنى الانتماء السياسي يدرك أن الحزب ليس محطة يعبرها الإنسان كلما تغيرت موازين القوة، وإنما هو قبل كل شيء مدرسة في الممارسة والتجربة والاختلاف والتعلم. ولذلك فإن وجودي في الحركة الشعبية منذ سنة 2002 يجعل حديثي عنها اليوم حديث شخص راكم داخلها أكثر من عشرين سنة من التجربة، وليس حديث وافد اكتشف الحزب بالأمس أو قرر الانتماء إليه بحثا عن فرصة ظرفية.

وخلال هذه السنوات، لم يكن ما شدني إلى الحركة الشعبية مجرد تاريخها السياسي، وإنما ذلك الجانب الإنساني والاجتماعي الذي ظل حاضرا في شخصيتها، والذي أجد أن أفضل كلمة يمكن أن تختصره هي «تامغرابيت». تلك الروح المغربية التي لا تحتاج إلى كثير من التنظير حتى تفهمها، والتي تقوم على النخوة والكرامة والكرم والوفاء ورفض الحكرة، وعلى الإيمان بأن الإنسان يمكن أن يكون بسيطا في عيشه، لكنه كبير في مواقفه، وأن الفقر لا يعني بالضرورة الضعف، وأن امتلاك المال لا يمنح صاحبه الحق في إهانة الآخرين.

لقد وجدت في كثير من الحركيين تلك العفوية التي نفتقدها أحيانا في السياسة، ووجدت فيهم نوعا من الفطرة السياسية التي تجعل الإنسان يقول ما يؤمن به دون كثير من الحسابات، ويدافع عن موقفه دون أن يحتاج إلى أن يتقمص شخصية غير شخصيته. وربما لهذا السبب بقيت الحركة الشعبية، بالنسبة إلي، أكثر من مجرد تنظيم سياسي؛ إنها جزء من تجربة إنسانية وسياسية امتدت لأكثر من عشرين سنة.

وفي هذه التجربة تعلمت أن «الحكرة» ليست قدرا، وأن المواطن مهما كانت ظروفه الاجتماعية لا ينبغي أن يقبل أن يعامل باعتباره أقل قيمة من غيره. وتعلمت أيضا أن الكرامة ليست شعارا انتخابيا، وإنما سلوك يومي، وأن الإنسان قد لا يملك المال، لكنه يستطيع أن يملك موقفه، وأن يقول «لا» عندما يشعر بأن كرامته أو كرامة الآخرين تتعرض للإهانة.

ومن هذه الزاوية تحديدا أجد أن الحركة الشعبية تحمل رصيدا مهما يمكن أن يكون له مستقبل كبير في المجتمع المغربي، لأن المغرب اليوم لا يحتاج فقط إلى أحزاب تتنافس على المقاعد، وإنما يحتاج إلى أحزاب تستعيد علاقتها بالناس، وتعيد بناء الثقة معهم، وتقدم السياسة باعتبارها خدمة عمومية ومسؤولية أخلاقية قبل أن تكون وسيلة للوصول إلى المؤسسات.

وهنا تأتي سنة 2022 باعتبارها محطة أساسية في مساري داخل الحزب، لأنها كانت لحظة آمنا فيها بمشروع الأخ محمد أوزين، وقررنا أن نرفع معه شعار «البديل الحركي». ولم ننظر إلى هذا الشعار باعتباره مجرد عنوان لحملة سياسية أو صيغة جديدة لتقديم الحزب، وإنما رأينا فيه إمكانية لبناء مرحلة جديدة في الحياة الحركية، تقوم على تجديد الخطاب، وتجديد الممارسة، وإعادة صياغة العلاقة بين الحزب والمواطن.

كان السؤال بالنسبة إلينا واضحا: كيف يمكن أن تستعيد الأحزاب ثقة المواطن؟ وكيف يمكن أن يشعر المواطن بأن صوته ليس مجرد وسيلة للوصول إلى البرلمان أو المجالس المنتخبة؟ وكيف يمكن للحزب أن يقدم نفسه باعتباره طرفا في تعاقد سياسي وأخلاقي مع المجتمع، لا مجرد طرف في منافسة انتخابية؟

ومن هنا جاء مفهوم «التعاقد الحركي مع المواطن والدولة».

فالتعاقد مع المواطن يعني أن نقول له بوضوح ماذا نريد، وماذا نستطيع أن نقدم، وما هي حدود إمكانياتنا، ثم نتحمل مسؤولية ما نلتزم به. ويعني أيضا أن نتعامل معه باعتباره مواطنا كامل الحقوق، لا باعتباره مجرد صوت انتخابي يمكن استمالته خلال الحملة ثم نسيانه بعد إعلان النتائج.

أما التعاقد مع الدولة، فيعني بالنسبة إلي أن العمل السياسي يجب أن يكون جزءا من مشروع تقوية المؤسسات وخدمة الوطن، لا وسيلة لهدم الثقة في الدولة أو تحويل الاختلاف السياسي إلى خصومة مع مؤسساتها. يمكن أن نعارض الحكومة، ويمكن أن ننتقد السياسات العمومية، ويمكن أن نختلف مع المسؤولين، لكن هذا كله يجب أن يحدث داخل منطق الدولة والمؤسسات والقانون.

وهذا هو أحد المعاني التي أراها في مشروع «البديل الحركي»: أن ننتقل من سياسة الأشخاص إلى سياسة المشاريع، ومن منطق الولاءات إلى منطق التعاقد، ومن البحث عن الأصوات إلى البحث عن ثقة المواطن.

فالانتخابات في الديمقراطية ليست مجرد عملية حسابية لمعرفة من حصل على أكبر عدد من الأصوات، وإنما هي لحظة يمنح فيها المواطن تفويضا سياسيا مؤقتا لمن يعتقد أنه قادر على تمثيله وخدمة مصالحه. ولذلك فإن الصوت الانتخابي لا ينبغي أن يكون ملكا للمرشح، ولا أن يتحول المواطن إلى رقم في دفتر انتخابي، ولا أن يصبح الحزب مجرد آلة لتجميع الأصوات.

المواطن أذكى من ذلك بكثير.

وهو يعرف من يخاطبه باحترام، ومن يتذكره فقط في موسم الانتخابات. ويميز بين من يدافع عن قضاياه، ومن يستخدم قضاياه للوصول إلى موقع سياسي. ويميز أيضا بين من يقدم مشروعا، ومن يقدم وعودا لا تجد طريقها إلى الواقع.

ولهذا فإن «البديل الحركي» الذي آمنا به سنة 2022 لا ينبغي أن يكون بديلا للأشخاص فقط، وإنما بديلا في طريقة ممارسة السياسة.

البديل هو أن تصبح السياسة تعاقدا، وأن تصبح المسؤولية التزاما، وأن تصبح الحصيلة معيارا للحكم على الأداء، وأن تصبح المحاسبة جزءا طبيعيا من الحياة السياسية.

وهنا أعتقد أن الحركة الشعبية أمام فرصة تاريخية: أن تحول رصيدها الاجتماعي والثقافي، وما تختزنه من قيم «تامغرابيت»، إلى مشروع سياسي حديث قادر على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغة تفهمها، دون أن يتخلى عن جذوره أو ذاكرته.

لأن «تامغرابيت» ليست مجرد كلمة نضعها في الخطابات. إنها منظومة قيم. أن تكون مغربيا يعني أن تكون معتزا بوطنك، ولكن أيضا أن تحترم المواطن الآخر. أن تكون قويا، لكن دون أن تكون متجبرا. أن تدافع عن حقك، دون أن تسلب حق غيرك. أن تختلف، دون أن تتحول إلى حاقد. وأن تنتصر، دون أن تبحث عن إذلال خصمك.

ولعل هذه القيم هي التي تجعلني أرى أن السياسة المغربية في حاجة اليوم إلى استعادة شيء من روحها الإنسانية.

نحن في حاجة إلى سياسة لا تنظر إلى المواطن باعتباره رقما، ولا إلى الفقير باعتباره مجرد فئة مستهدفة في البرامج الانتخابية، ولا إلى الشباب باعتبارهم خزانا انتخابيا، وإنما باعتبارهم شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل.

ونحن في حاجة أيضا إلى أحزاب تستطيع أن تقول للمواطن الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة صعبة، وأن تعترف عندما تخطئ، وأن تراجع مواقفها عندما تقتضي المصلحة الوطنية ذلك.

ومن هنا فإن التعاقد الحركي الذي رفعناه سنة 2022 ليس عقدا انتخابيا ينتهي بانتهاء الاستحقاق، وإنما يجب أن يكون عقدا سياسيا وأخلاقيا مستمرا.

لقد التحقت بالحركة الشعبية سنة 2002، ومرت أكثر من عشرين سنة على هذه الرحلة. تغيرت أشياء كثيرة في المغرب، وتغيرت أشياء كثيرة في السياسة، وتغيرت أيضا نظرتنا إلى العديد من القضايا. لكن هناك قيما بقيت بالنسبة إلي ثابتة: الكرامة، والوفاء، ورفض الحكرة، والدفاع عن المواطن، والإيمان بأن السياسة يجب أن تكون في خدمة الوطن.

وفي سنة 2022، جاء مشروع «البديل الحركي» ليمنح هذه القيم أفقا سياسيا جديدا.

واليوم، لا أعتقد أن الرهان الحقيقي هو فقط على الانتخابات المقبلة، ولا على عدد المقاعد التي يمكن أن تحصل عليها الحركة الشعبية، وإنما على سؤال أكبر بكثير: هل نستطيع أن نجعل المواطن يؤمن مرة أخرى بأن السياسة يمكن أن تكون فعلا وسيلة لتغيير حياته؟

إذا نجحنا في ذلك، فسنكون قد فهمنا معنى البديل.

أما إذا تحول «البديل الحركي» إلى مجرد شعار انتخابي جديد، فسوف نكون قد أضعنا فرصة كان يمكن أن تكون أكبر من مجرد تنافس حزبي.

إن المغرب يحتاج إلى أحزاب قوية، لأن الدولة الديمقراطية تحتاج إلى أحزاب قوية. لكنه يحتاج أيضا إلى أحزاب مسؤولة، تعرف أن قوة الحزب لا تقاس فقط بعدد منتخبيه، وإنما بقدرته على التأطير، وإنتاج الأفكار، والدفاع عن المواطنين، والمساهمة في صناعة السياسات العمومية.

ومن هنا فإن اختياري للحركة الشعبية ليس اختيارا ضد أحد، ولا رفضا لمدرسة سياسية أخرى، ولا بحثا عن خصومة مع أي طرف. إنه اختيار مبني على تجربة امتدت منذ سنة 2002، وعلى قناعة بأن داخل هذه المدرسة السياسية إمكانيات حقيقية لبناء مشروع يجمع بين الأصالة المغربية، والديمقراطية، والحداثة السياسية، والعدالة الاجتماعية، وقوة المؤسسات.

وإذا كان لي أن ألخص لماذا اخترت الحركة الشعبية في عبارة واحدة، فسأقول:

لأنني وجدت فيها مغربا يشبه المغرب الذي أؤمن به؛ مغرب النخوة والكرامة والكرم، ومغربا يمكن أن تتحول فيه «تامغرابيت» من مجرد هوية مشتركة إلى مشروع سياسي جامع.

ومن هنا آمنا سنة 2022 بمشروع الأخ محمد أوزين، ورفعنا معه شعار «البديل الحركي».

واليوم، بعد سنوات من ذلك الرهان، يبقى التحدي قائما: أن نحول الشعار إلى ممارسة، والممارسة إلى تعاقد، والتعاقد إلى ثقة، والثقة إلى نتائج.

ذلك هو البديل الذي نريده: بديل لا يبيع للمواطن الوهم، ولا يتاجر بحاجته، ولا يعتبر صوته ملكا لأحد؛ بل ينظر إليه باعتباره شريكا في الوطن، وشريكا في القرار، وشريكا في المستقبل.

وهذا، في النهاية، هو معنى أن تكون حركيا.

ليس فقط أن تحمل بطاقة حزب، وإنما أن تحمل قيمة.

قيمة اسمها تامغرابيت.

نعم، والأفضل الإشارة إليها **بوضوح ولكن بشكل أنيق**، حتى تحفظ لصاحب التدوينة حقه الفكري، وفي الوقت نفسه يظهر أن المقال **تحليل وصياغة شخصية منك** وليس إعادة إنتاج للتدوينة.

أقترح وضعها في بداية المقال بهذه الصيغة:

ملاحظة:
تستمد هذه الافتتاحية فكرتها الأولى من تدوينة للأخ محمد المشهوري، الحركي الأصيل، التي أثارت لدي مجموعة من الأسئلة حول معنى الانتماء إلى الحركة الشعبية، ودلالة «تامغرابيت» في الممارسة السياسية، وقيم النخوة والكرامة ورفض الحكرة التي تشكل جزءا من الذاكرة الحركية. أما ما جاء في هذه الافتتاحية من تحليل وأفكار واستنتاجات، فهو قراءة شخصية تنطلق من تجربتي داخل الحركة الشعبية منذ سنة 2002، ومن إيماني بمشروع «البديل الحركي» الذي آمنا به سنة 2022 مع الأخ محمد أوزين.