الأغلبية الصامتة: من استعادة الثقة إلى استعادة المشاركة

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

تكشف الانتخابات التشريعية عن حقيقة سياسية لا تختزل في عدد المقاعد التي حصلت عليها الأحزاب ولا في موازين القوى التي أفرزتها صناديق الاقتراع. فإلى جانب الناخبين الذين شاركوا في تحديد الخريطة البرلمانية، هناك كتلة واسعة من المواطنين اختارت عدم المشاركة. وإذا كانت هذه الفئة تمثل، وفق معطيات الاقتراع، نحو 62 في المائة ممن لم يصوتوا، فإن التعامل معها باعتبارها مجرد “أغلبية صامتة” يحتاج إلى قدر من الحذر العلمي، لأن الامتناع عن التصويت ليس موقفا سياسيا واحدا، ولا يحمل بالضرورة المعنى نفسه لدى جميع المواطنين.

ومع ذلك، فإن حجم عدم المشاركة يجعل الظاهرة جديرة بقراءة سياسية ومؤسساتية عميقة. فالمسألة لا تتعلق فقط بمن لم يذهب إلى صندوق الاقتراع، وإنما بعلاقة شريحة واسعة من المجتمع بالفعل السياسي وبالمؤسسات المنتخبة وبفكرة التمثيل الديمقراطي نفسها. ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح بعد الانتخابات ليس فقط: من فاز؟ وإنما أيضا: كيف يمكن إعادة بناء الصلة بين المواطن والسياسة؟

هذه الصلة لا يمكن أن تستعاد بحملة انتخابية جديدة، ولا بخطاب موسمي، ولا بمجرد دعوة المواطن إلى ممارسة حقه في التصويت. فالمشاركة السياسية، في معناها الدستوري والديمقراطي، ليست فعلا منفصلا عن السياق الذي يعيشه المواطن، وإنما هي نتيجة لعلاقة مركبة بين الثقة، والتمثيل، والفعالية، والإحساس بأن المشاركة يمكن أن يكون لها أثر في صناعة القرار.

ومن هنا، فإن معالجة ظاهرة العزوف تقتضي أولا تجاوز التفسير السهل الذي يربط عدم التصويت باللامبالاة. فالعلوم السياسية تعلمنا أن السلوك الانتخابي أكثر تعقيدا من ذلك. قد يكون الامتناع نتيجة ضعف الاقتناع بالعرض السياسي، أو نتيجة اعتقاد بأن الخيارات المطروحة لا تعكس انتظارات المواطن، أو نتيجة ضعف الاهتمام بالشأن العام، أو بسبب عوامل اجتماعية ومجالية وديموغرافية، أو لأسباب عملية مرتبطة بظروف المشاركة نفسها.

ولهذا فإن تحويل جميع غير المصوتين إلى كتلة سياسية واحدة سيكون خطأ منهجيا. فهذه الفئة ليست حزبا، ولا تيارا، ولا حركة سياسية منظمة، ولا يمكن افتراض أنها تحمل موقفا موحدا من الحكومة أو المعارضة أو من أي حزب بعينه. لكنها، في الوقت نفسه، تمثل مؤشرا ديمقراطيا لا ينبغي للمؤسسات والأحزاب أن تتعامل معه باعتباره رقما عابرا.

فالانتخابات في النظام الدستوري ليست مجرد آلية تقنية لتوزيع المقاعد، وإنما هي إحدى أهم وسائل التعبير عن الإرادة الشعبية وإنتاج التمثيلية السياسية. وكلما اتسعت الفجوة بين المواطنين وهذه الآلية، أصبح السؤال حول جودة العلاقة بين المجتمع والمؤسسات أكثر إلحاحا.

وهنا تظهر مسؤولية الأحزاب السياسية بصورة خاصة.

فالعمل الحزبي لا ينبغي أن يبدأ مع افتتاح الحملة الانتخابية وينتهي بإعلان النتائج. الحزب، في المفهوم الديمقراطي الحديث، مؤسسة للوساطة السياسية والاجتماعية، وظيفتها لا تقتصر على تقديم المرشحين، وإنما تشمل تأطير المواطنين، وإنتاج الأفكار، وتكوين النخب، ونقل المطالب الاجتماعية إلى المؤسسات، وشرح السياسات العمومية، والمساهمة في تكوين الرأي العام.

ومن ثم، فإن استعادة المواطنين الذين ابتعدوا عن المشاركة لا يمكن أن تتم فقط عبر تحسين الخطاب الانتخابي، وإنما عبر إعادة بناء الوظيفة الوسيطة للأحزاب.

المواطن الذي لا يرى حضورا سياسيا إلا في موسم الانتخابات قد يجد صعوبة في إدراك معنى المشاركة المستمرة. أما عندما تصبح الأحزاب حاضرة في المجتمع، تستمع إلى مشكلاته، وتشرح قرارات المؤسسات، وتناقش السياسات العمومية، وتفتح المجال أمام الشباب والكفاءات الجديدة، فإن السياسة تستعيد جزءا من وظيفتها الاجتماعية.

لكن المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها.

فالمؤسسات المنتخبة نفسها مطالبة بأن تجعل من المشاركة السياسية تجربة ذات معنى. فالبرلمان، مثلا، لا ينبغي أن يكون فضاء للتشريع فقط، وإنما فضاء يرى فيه المواطن انعكاسا لمطالبه وانتظاراته. كما أن الحكومة مطالبة بأن تجعل علاقتها بالمجتمع قائمة على التواصل المؤسساتي والشفافية وتفسير السياسات العمومية، لا على التواصل المناسباتي وحده.

ومن المنظور الدستوري، تكتسب هذه المسألة أهمية إضافية. فالديمقراطية التمثيلية لا تقوم فقط على وجود انتخابات دورية، وإنما على وجود علاقة مستمرة بين المؤسسات والمواطنين. الانتخابات تمنح الشرعية للتمثيل، لكن استمرار الثقة في المؤسسات يتطلب أن يشعر المواطن بأن المؤسسات تعمل باسمه، وأن القرارات العمومية قابلة للفهم والتقييم والمساءلة.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة: المشاركة لا تفرض بالقانون، وإنما تبنى بالثقة.

يمكن للدولة أن تضمن شروط نزاهة الانتخابات، وأن توفر الآليات القانونية والتنظيمية للمشاركة، وأن تسهر على حياد الإدارة الانتخابية، لكن لا يمكن لأي مؤسسة أن تفرض على المواطن الاقتناع السياسي. الاقتناع لا يصنعه القانون وحده، وإنما تصنعه الممارسة السياسية اليومية.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي أمام الطبقة السياسية ليس: كيف نقنع 62 في المائة بالذهاب إلى صناديق الاقتراع؟ فهذه الصياغة نفسها قد تكون مضللة، لأنها تتعامل مع غير المصوتين باعتبارهم جمهورا انتخابيا واحدا ينتظر خطابا مقنعا.

السؤال الأكثر دقة هو: كيف نبني شروطا تجعل المواطن يرى في المشاركة السياسية فعلا ذا معنى؟

والجواب يبدأ من السياسات العمومية نفسها.

فالمواطن لا يعيش داخل الخطابات السياسية، وإنما داخل المدرسة والمستشفى والإدارة وسوق الشغل ووسائل النقل والأسعار والمجال الذي يسكن فيه. وكلما شعر بأن القرارات العمومية تؤثر فعليا في حياته، وأن المؤسسات تستجيب للمشكلات التي تواجهه، أصبحت السياسة أكثر حضورا في وعيه اليومي.

ومن هنا، فإن مكافحة العزوف ليست مسؤولية انتخابية فقط، بل هي مسؤولية مرتبطة بجودة الحكامة.

فحين تكون الإدارة أكثر نجاعة، والقانون أكثر وضوحا، والخدمات العمومية أكثر فعالية، والفرص أكثر عدالة، تصبح علاقة المواطن بالمؤسسات أكثر تماسكا. وحين يشعر المواطن بأن القرار السياسي لا يغير شيئا في حياته، تصبح المسافة بينه وبين السياسة أكبر.

كما أن الشباب يحتل موقعا مركزيا في هذه المعادلة. فإعادة بناء المشاركة السياسية لا يمكن أن تتم من دون إعادة التفكير في الطريقة التي يتم بها إشراك الأجيال الجديدة في الحياة العامة. ولا يتعلق الأمر فقط بمنح الشباب مواقع داخل الأحزاب، وإنما بإشراكه في النقاش حول القضايا التي تشكل مستقبله: التعليم، التشغيل، التكنولوجيا، السكن، البيئة، الثقافة، والتحول الاقتصادي.

والأمر نفسه ينطبق على المجال الترابي. فالمشاركة السياسية ليست متجانسة بالضرورة بين المدن الكبرى والمدن المتوسطة والمجالات القروية والمناطق الجبلية. ولذلك فإن أي سياسة تهدف إلى فهم العزوف تحتاج إلى قراءة مجالية دقيقة، لا إلى تعميمات وطنية واسعة.

ومن زاوية أخرى، ينبغي أن تتوقف الأحزاب والمؤسسات عن النظر إلى المواطن فقط باعتباره ناخبا محتملا. المواطن أكبر من وظيفته الانتخابية. إنه شريك في إنتاج المجال العام، وفاعل في المجتمع، ومساهم في الاقتصاد، وصاحب حقوق وواجبات دستورية.

وحين تتحول العلاقة السياسية إلى علاقة انتخابية محضة، يصبح التواصل مع المواطن موسميا. أما حين تتحول إلى علاقة مواطنة مستمرة، فإن المشاركة تأخذ أبعادا أوسع من التصويت نفسه.

وهنا يمكن للدبلوماسية أيضا أن تقدم درسا مهما. فالدولة التي تريد تعزيز صورتها ومكانتها الخارجية تحتاج إلى قوة مؤسساتية داخلية وإلى مجتمع يشعر بأن مؤسساته تمثله. فالقوة الناعمة للدول لا ترتبط فقط بالثقافة والاقتصاد والحضور الدبلوماسي، وإنما تتصل كذلك بصورة المؤسسات وثقة المجتمع فيها وقدرتها على إنتاج الاستقرار والتوافق.

إن بناء الثقة داخليا ليس مسألة منفصلة عن مكانة الدولة خارجيا. فالدولة التي تمتلك مؤسسات قوية، ومجتمعا منخرطا، ونخبا قادرة على الحوار، تكون أكثر قدرة على الدفاع عن مصالحها والتعبير عن اختياراتها في البيئة الدولية.

لكن استعادة المشاركة لا تعني بالضرورة الوصول إلى نسبة مشاركة مثالية أو موحدة. الديمقراطية لا تقاس فقط بنسبة من يذهب إلى صناديق الاقتراع، وإنما أيضا بجودة المؤسسات، وحرية الاختيار، وتعددية العرض السياسي، ونزاهة الانتخابات، وقدرة النظام السياسي على الاستماع إلى المجتمع والتفاعل مع مطالبه.

لذلك فإن التعامل مع الـ62 في المائة ينبغي أن يكون باعتبارها سؤالا ديمقراطيا مفتوحا، لا باعتبارها كتلة انتخابية جاهزة لإعادة التعبئة.

إنها دعوة إلى البحث والفهم قبل الخطاب، وإلى الإنصات قبل الإقناع، وإلى إصلاح العلاقة السياسية قبل التفكير في رفع نسب المشاركة.

فإذا أرادت الأحزاب أن تستعيد ثقة المواطن، فعليها أن تبدأ من خارج الصندوق الانتخابي: من المجتمع، ومن الجامعة، ومن الشباب، ومن المجال الترابي، ومن قضايا الحياة اليومية. وإذا أرادت المؤسسات أن تعزز شرعيتها الاجتماعية، فعليها أن تجعل المواطن يرى أثرها في حياته لا أن يسمع عنها فقط في وسائل الإعلام.

في النهاية، لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد تحويل غير المصوت إلى ناخب في الاستحقاق المقبل، وإنما تحويل المواطن من متلق للسياسة إلى شريك فيها.

فالانتخابات ليست لحظة يختار فيها المواطن من يحكمه فقط، وإنما لحظة تعبير عن علاقته بالدولة والمؤسسات والمجتمع. وإذا كانت نسبة كبيرة من المواطنين قد اختارت عدم المشاركة، فإن الرسالة التي ينبغي التقاطها ليست بالضرورة رسالة رفض، لكنها بالتأكيد دعوة إلى الفهم وإعادة التفكير في العلاقة بين السياسة والمجتمع.

إن الأغلبية الصامتة لا تحتاج إلى من يتحدث باسمها، بقدر ما تحتاج إلى مؤسسات وأحزاب تستطيع أن تسمع صوتها.

وعندما يصبح المواطن مقتنعا بأن صوته مسموع قبل الانتخابات وبعدها، وأن مشاركته لا تنتهي بإغلاق صندوق الاقتراع، وأن السياسة قادرة على إنتاج أثر ملموس في حياته، فإن المشاركة لن تكون مجرد واجب انتخابي، بل ستصبح تعبيرا طبيعيا عن المواطنة.

وهنا تبدأ المعادلة الحقيقية: لا نحتاج فقط إلى إقناع المواطن بأن يصوت، بل إلى إقناعه بأن السياسة تستحق أن يشارك فيها.