المغرب الذي نراه في الأرقام… والمغرب الذي يعيشه المواطن
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
في الخطاب العمومي المغربي، أصبحت الأرقام حاضرة في كل شيء. أرقام النمو، والاستثمار، والصادرات، والسياحة، ومشاريع البنية التحتية، ونسب التغطية الاجتماعية، ومؤشرات التنمية، وغيرها من المعطيات التي تقدم صورة عن بلد يتحرك بثبات نحو المستقبل. ولا أحد يستطيع، من منظور موضوعي، أن ينكر حجم التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، ولا أن يقلل من أهمية الأوراش الكبرى التي أطلقتها الدولة في عدد من المجالات.
لكن خلف هذه الصورة التي تقدمها الأرقام، يوجد سؤال آخر لا يقل أهمية، بل ربما أصبح اليوم أكثر إلحاحا: كيف يرى المواطن المغربي هذا التحول؟
فالدولة قد تقول إن المؤشرات تتحسن، والخبراء قد يؤكدون أن الاقتصاد يسجل معدلات نمو إيجابية، والتقارير قد تتحدث عن ارتفاع الاستثمار وتطور الصادرات وتحسن جاذبية المغرب الاقتصادية، لكن المواطن في نهاية المطاف لا يعيش داخل جدول إحصائي، ولا يذهب إلى السوق حاملا معه نسبة النمو، ولا يؤدي فاتورة الماء والكهرباء بمؤشر اقتصادي، ولا يبحث عن عمل داخل تقرير سنوي.
المواطن يعيش واقعا يوميا.
وهنا تبدأ المسافة بين المغرب الذي نراه في الأرقام، والمغرب الذي يعيشه المواطن.
هذه المسافة لا تعني بالضرورة أن الأرقام خاطئة، كما لا تعني أن الإنجازات غير موجودة. لكنها تعني أن نجاح الدولة في تحقيق المؤشرات الكبرى لا يؤدي آليا إلى شعور اجتماعي مماثل بالتحسن. وهذه مسألة سياسية بامتياز، لأن التنمية في بعدها الأعمق لا تقاس فقط بما تنتجه الدولة من ثروة، وإنما أيضا بقدرتها على تحويل هذه الثروة إلى شعور بالكرامة والأمان والاستقرار وتحسن شروط الحياة.
ومن هنا فإن السؤال الحقيقي ليس: هل يحقق المغرب نموا اقتصاديا؟
بل: هل يشعر المواطن بأن هذا النمو يغير حياته؟
إن الفرق بين السؤالين كبير.
قد يرتفع الناتج الداخلي، وقد تتوسع الصادرات، وقد تستقطب البلاد استثمارات ضخمة، وقد تحقق بعض القطاعات نتائج تاريخية، لكن إذا ظل المواطن يشعر بأن قدرته الشرائية تتراجع، وأن الحصول على وظيفة مستقرة أصبح أكثر صعوبة، وأن المدرسة العمومية تعاني، وأن الولوج إلى العلاج يتطلب إمكانيات أكبر، وأن الفوارق بين المناطق ما تزال واسعة، فإن خطاب التنمية سيظل عاجزا عن الوصول إلى عمق المجتمع.
وهنا نصل إلى واحدة من أهم القواعد في علم السياسة: الشرعية السياسية لا تقوم فقط على ما تنجزه المؤسسات، وإنما أيضا على الطريقة التي يدرك بها المواطن هذا الإنجاز.
فالدولة يمكن أن تنجز، ولكن إذا لم تستطع التواصل مع المواطن بشأن ما أنجزته، وإذا لم يشعر المواطن بأثر هذه الإنجازات في حياته اليومية، فإن فجوة الإدراك ستتسع.
وهذه الفجوة قد تكون أخطر أحيانا من غياب الإنجاز نفسه.
لأن المواطن الذي لا يرى نتيجة الإصلاحات في حياته قد لا يقتنع بمجرد إخباره بأن المؤشرات إيجابية. والمواطن الذي يسمع عن مليارات الاستثمارات بينما يبحث ابنه عن أول وظيفة منذ سنوات، قد لا يجد في الأرقام جوابا عن سؤال بسيط: ماذا تغير بالنسبة إلينا؟
وهذا لا يعني أن الدولة مطالبة بإرضاء كل المواطنين في كل وقت، فهذا أمر غير ممكن في أي نظام سياسي. كما لا يعني أن الحكومة مسؤولة عن كل مشكلة اقتصادية أو اجتماعية، لأن الواقع أكثر تعقيدا من ذلك، ويتأثر بعوامل دولية وإقليمية ومناخية وبنيوية.
لكن المسؤولية السياسية تقتضي شيئا آخر: أن تشرح الدولة للمواطن، وأن تصارحه، وأن تعترف بما تحقق وما لم يتحقق، وأن تقدم له أجوبة واضحة عن المستقبل.
فالمواطن لا يحتاج دائما إلى خبر سار.
أحيانا يحتاج فقط إلى الحقيقة.
أن تقول له الحكومة إن بعض الإصلاحات تحتاج سنوات حتى تظهر نتائجها، وأن بعض الملفات أكثر تعقيدا مما يبدو، وأن الموارد محدودة، وأن الأولويات كثيرة. هذا النوع من الخطاب قد يكون أكثر فاعلية في بناء الثقة من تقديم صورة وردية لا يجد المواطن صداها في حياته اليومية.
لقد تغير المجتمع المغربي كثيرا. والمواطن اليوم أكثر اطلاعا، وأكثر قدرة على المقارنة، وأكثر اتصالا بالعالم الخارجي. فهو يرى تجارب الدول الأخرى، ويقارن الأسعار، والخدمات، والأجور، وفرص العمل، وجودة التعليم والصحة. كما أن وسائل التواصل الاجتماعي جعلت المعلومة تنتقل بسرعة غير مسبوقة، وأصبح من الصعب جدا التحكم في الصورة التي تصل إلى المواطن.
وهنا تغيرت قواعد التواصل السياسي.
لم يعد ممكنا أن تكون العلاقة بين الدولة والمجتمع قائمة فقط على الخطاب العمودي الذي يقول للمواطن ما تحقق، دون أن يترك له مساحة كافية ليقول ما يعيشه.
الدولة الحديثة تحتاج إلى الاستماع كما تحتاج إلى الإنجاز.
وتحتاج إلى قياس أثر السياسات العمومية، لا فقط حجم الاعتمادات التي صرفت عليها.
وهنا يظهر الفرق بين منطق التدبير ومنطق النتائج.
فقد تنجح الإدارة في تنفيذ برنامج وفق الآجال والميزانية المحددة، لكن السؤال السياسي يبقى: هل حقق البرنامج الغاية التي أنشئ من أجلها؟ وهل تغيرت حياة المستفيدين فعلا؟ وهل وصل أثره إلى الفئات التي كان يفترض أن تصل إليها التنمية؟
إن الانتقال من قياس الإنفاق إلى قياس الأثر هو أحد الشروط الأساسية لبناء دولة أكثر فعالية.
وفي هذا السياق، فإن الحديث عن العدالة الاجتماعية لا ينبغي أن يتحول إلى شعار سياسي فقط. العدالة الاجتماعية تعني أن يشعر المواطن بأن الدولة لا تتركه وحيدا أمام تقلبات السوق وارتفاع الأسعار وصعوبة الحصول على الخدمات الأساسية.
وتعني أيضا أن تكون التنمية عادلة في توزيع فرصها بين الجهات والمناطق.
فالمغرب الذي يريد أن يصبح قوة اقتصادية إقليمية لا يمكنه أن يقبل في الوقت نفسه بوجود مواطن يشعر بأنه يعيش خارج مسار التنمية.
المغرب الذي ينجح في استقطاب الاستثمار ويطور صناعات متقدمة ويعزز حضوره الدولي، يحتاج أيضا إلى أن يجعل المواطن في القرى والمناطق النائية يشعر بأن هذه التحولات تخصه هو أيضا.
وهنا تحديدا تصبح العدالة المجالية قضية سياسية وليست فقط قضية تنموية.
لأن الوطن لا يقاس فقط بحجم المشاريع الكبرى التي تقام فيه، وإنما أيضا بقدرة الدولة على جعل المواطن، أينما كان، يشعر بأنه جزء من المشروع الوطني.
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة أن تصبح هناك صورتان متناقضتان داخل المجتمع: صورة رسمية تقول إن الأمور تتحسن، وصورة اجتماعية تقول إن الحياة تزداد صعوبة.
عندما تتسع الفجوة بين الصورتين، تبدأ أزمة الثقة.
ولا تعالج أزمة الثقة بالمزيد من الأرقام وحدها.
تعالج بالاستماع.
وبالمصارحة.
وبالمحاسبة.
وبالقدرة على الاعتراف بالأخطاء.
وبتقديم نتائج ملموسة.
إن المواطن المغربي ليس ضد النجاح، وليس ضد الاستثمارات، وليس ضد المشاريع الكبرى، بل على العكس، هو يريد أن يرى بلده يتقدم ويحتل مكانة أكبر في محيطه الإقليمي والدولي. لكنه يريد في الوقت نفسه أن يشعر بأن هذا التقدم ينعكس على حياته وعلى أسرته وعلى مستقبل أبنائه.
وهذا هو جوهر المسألة.
فالتنمية ليست فقط أن يصبح المغرب أكثر جاذبية للمستثمر الأجنبي، وإنما أيضا أن يصبح أكثر قدرة على الاحتفاظ بشبابه.
وليست فقط أن ترتفع صادرات السيارات والطائرات، وإنما أن يجد الشاب المغربي وظيفة تحفظ له كرامته وتمنحه إمكانية بناء حياته.
وليست فقط أن ترتفع أعداد السياح، وإنما أن يشعر المواطن بأن عائدات التنمية السياحية تتحول إلى فرص حقيقية في المناطق التي تستقبل هؤلاء السياح.
وليست فقط أن تتحسن المؤشرات الاقتصادية، وإنما أن تتحسن ثقة المواطن في المستقبل.
وهنا يظهر البعد الدستوري للمسألة.
فالدستور المغربي لا ينظر إلى المواطن باعتباره مجرد مستهلك للسياسات العمومية، وإنما يؤسس لعلاقة تقوم على الحقوق والواجبات والمشاركة والمساءلة والحكامة الجيدة.
والحكامة ليست فقط سرعة تنفيذ المشاريع، وإنما أيضا جودة القرار، وشفافية المؤسسات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك المواطن في القضايا التي تمس حياته.
ومن هذا المنظور، فإن إصلاح العلاقة بين المواطن والمؤسسات لا يمكن أن يكون مسؤولية الحكومة وحدها. إنه مسؤولية مشتركة بين الدولة والأحزاب والنخب السياسية والمجتمع المدني والإعلام والجامعة.
فالسياسة لا يمكن أن تنجح إذا بقي المواطن خارجها.
والديمقراطية لا يمكن أن تكون قوية إذا أصبحت المشاركة مقتصرة على يوم الاقتراع.
والدولة لا يمكن أن تبني الثقة إذا كان المواطن يشعر أن صوته مسموع فقط عندما تحتاج إليه السياسة.
نحن أمام مرحلة تحتاج إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس جديد: الدولة تنجز، والمواطن يراقب، والمؤسسات تشرح، والمسؤول يحاسب، والنتيجة هي معيار الحكم.
وهذا لا يعني إضعاف الدولة، بل العكس تماما.
الدولة القوية ليست الدولة التي لا ينتقدها أحد، وإنما الدولة التي تمتلك من قوة مؤسساتها ما يجعلها قادرة على استيعاب النقد وتحويله إلى فرصة للإصلاح.
والحكومة القوية ليست الحكومة التي تقول إن كل شيء يسير على ما يرام، وإنما الحكومة التي تستطيع أن تواجه المواطن بالوقائع، وأن تقول له أين نجحت وأين أخفقت، وماذا ستفعل لتصحيح الاختلالات.
فالمواطن لا يبحث عن حكومة مثالية.
إنه يبحث عن حكومة صادقة وفعالة.
وفي نهاية المطاف، فإن التحدي الأكبر أمام المغرب ليس فقط أن يحقق نموا اقتصاديا مرتفعا، ولا أن يصبح قوة صناعية وسياحية ومالية إقليمية، وإنما أن ينجح في تحويل هذا الصعود إلى ثقة اجتماعية مستدامة.
فالدول لا تبنى بالأرقام وحدها.
الأرقام تقيس الاقتصاد، لكنها لا تقيس دائما الأمل.
والإحصائيات ترصد الواقع، لكنها لا تستطيع وحدها قياس شعور المواطن تجاه مستقبله.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يرافق كل تقرير اقتصادي وكل حصيلة حكومية وكل مشروع تنموي ليس فقط: **كم أنجزنا؟**
بل أيضا:
كم تغير في حياة المواطن؟
وهناك، في تلك المسافة بين الرقم والإنسان، يوجد الامتحان الحقيقي للسياسة العمومية.
فالمغرب الذي نريده ليس فقط مغربا تتحدث عنه التقارير الدولية بإيجابية، وإنما مغربا يستطيع المواطن العادي أن يقول فيه، دون حاجة إلى خطاب رسمي أو رقم إحصائي:
نعم، أشعر أن بلدي يتقدم… وأشعر أنني أتقدم معه.
عندها فقط ستلتقي صورة المغرب في الأرقام مع صورة المغرب في وجدان المواطن.