الأحزاب عندما تتذكر المواطن في موسم الانتخابات: أين ضاعت وظيفة الوساطة السياسية؟
افتتاحبة الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
كلما اقترب موعد الانتخابات، تعود الأحزاب السياسية إلى واجهة المشهد، وتبدأ معها حركة غير عادية في الخطابات واللقاءات والوعود والبرامج، وتستعيد الساحة السياسية شيئا من حيويتها التي غابت عنها خلال السنوات الفاصلة بين استحقاق وآخر. فجأة يصبح المواطن محور الخطاب، وتصبح انشغالاته اليومية حاضرة في تصريحات السياسيين، ويصبح الحديث عن التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية والتنمية والعدالة الاجتماعية جزءا ثابتا من الخطاب الانتخابي. لكن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه، دون مجاملة أو خصومة، هو: هل المواطن شريك دائم في الحياة السياسية، أم أنه يتحول في بعض الأحيان إلى مجرد رقم انتخابي كلما اقترب موعد الاقتراع؟
هذا السؤال لا يستهدف حزبا بعينه، وإنما يتعلق بوظيفة الأحزاب السياسية في النظام الديمقراطي برمته. فالحزب في التصور الدستوري والمؤسساتي ليس آلة انتخابية تظهر عند اقتراب موعد التصويت ثم تختفي بعد إعلان النتائج، وإنما هو مؤسسة للوساطة والتأطير والمشاركة وصناعة النخب وتقديم البدائل السياسية. ولذلك فإن قوة الحياة الحزبية لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي تحصل عليها الأحزاب في البرلمان، وإنما بقدرتها على بناء علاقة مستمرة مع المجتمع، والاستماع إلى مطالبه، وتأطير مواطنيه، وتحويل انتظاراته إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ.
لقد تغير المجتمع المغربي بشكل كبير، بينما لم تتغير دائما بالسرعة نفسها آليات اشتغال الأحزاب. فالمواطن اليوم أكثر اطلاعا، وأكثر قدرة على الوصول إلى المعلومات، وأكثر اتصالا بما يحدث داخل البلاد وخارجها. والشباب على وجه الخصوص أصبح أقل استعدادا لتلقي الخطاب السياسي بالطريقة التقليدية، وأكثر ميلا إلى طرح الأسئلة ومناقشة النتائج ومقارنة الوعود بالوقائع. ولذلك فإن الحزب الذي ينتظر المواطن حتى موسم الانتخابات لكي يخاطبه، قد يكتشف أن المجتمع تغير بينما بقيت أدواته السياسية على حالها.
إن الأزمة التي تواجه الأحزاب في كثير من الديمقراطيات ليست بالضرورة أزمة غياب الأفكار، وإنما هي في جزء منها أزمة وساطة سياسية. فالحزب يفترض أن يكون الجسر الذي يعبر من خلاله المجتمع نحو المؤسسات، وأن تكون المؤسسات بدورها قادرة على فهم المجتمع من خلال هذا الجسر. وعندما تضعف الوساطة، تتسع المسافة بين المواطن والمؤسسة، ويبدأ المواطن في البحث عن قنوات أخرى للتعبير عن غضبه أو مطالبه أو طموحاته.
وهنا تكمن خطورة الفراغ السياسي.
فحين لا يجد المواطن حزبا يستمع إليه، سيجد بالضرورة مساحة أخرى للتعبير. وقد تكون هذه المساحة في مواقع التواصل الاجتماعي، أو في الحملات الرقمية، أو في الاحتجاج، أو في العزوف عن المشاركة السياسية. وفي جميع الحالات، فإن ضعف الأحزاب لا يعني اختفاء السياسة، وإنما يعني انتقالها إلى فضاءات قد تكون أقل تنظيما وأكثر عرضة للانفعال والتضليل والاستقطاب.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا يبتعد المواطن عن الأحزاب؟
بل: هل اقتربت الأحزاب بما يكفي من المواطن حتى يشعر بأنه جزء من مشروعها؟
إن الانتخابات وحدها لا تصنع حياة حزبية ديمقراطية. الانتخابات هي لحظة من لحظات الديمقراطية، لكنها ليست الديمقراطية كلها. فالديمقراطية تحتاج إلى مواطن مؤطر، وحزب حي، ومؤسسات مفتوحة، ونقاش عمومي مستمر، ومساحات حقيقية للاختلاف والتعبير.
وإذا كان المواطن لا يتلقى من الحزب أي شيء خلال السنوات الأربع أو الخمس التي تفصل بين استحقاقين، ثم يجد عشرات الوعود واللقاءات عندما يقترب موعد الاقتراع، فمن الطبيعي أن يتساءل عن طبيعة العلاقة التي يراد بناؤها معه.
هل نحن أمام علاقة سياسية مستمرة؟
أم أمام علاقة انتخابية موسمية؟
الفارق بين الاثنين ليس بسيطا.
العلاقة السياسية المستمرة تقوم على الثقة والمشاركة والتواصل والمساءلة، بينما العلاقة الانتخابية الموسمية تقوم غالبا على استدعاء المواطن عندما تصبح أصواته مطلوبة.
ومن هنا فإن تجديد الحياة الحزبية لا ينبغي أن يبدأ فقط بتغيير القيادات أو الوجوه أو الشعارات. التغيير الحقيقي يبدأ من تجديد الوظيفة السياسية للحزب.
فالحزب الذي لا ينتج الأفكار يتحول إلى جهاز انتخابي، والحزب الذي لا يؤطر الشباب يفقد قدرته على إنتاج النخب، والحزب الذي لا يستمع إلى المجتمع يتحول تدريجيا إلى مؤسسة مغلقة على نفسها، والحزب الذي لا يملك القدرة على تقديم بدائل واقعية يصبح مجرد طرف في المنافسة على السلطة دون أن يقدم للمواطن سببا مقنعا لمنحه ثقته.
وهنا تظهر مسؤولية الأحزاب تجاه الشباب.
فلا يمكن أن نتحدث عن مستقبل سياسي للمغرب دون أن نتحدث عن موقع الأجيال الجديدة داخل الأحزاب. الشباب لا يحتاج فقط إلى مقاعد في الصفوف الخلفية خلال التجمعات الانتخابية، ولا إلى صور جماعية في الحملات، وإنما يحتاج إلى أن يكون جزءا من عملية التفكير وصناعة القرار وإنتاج السياسات.
الشباب يريد أن يفهم لماذا يدخل السياسة، وماذا يمكن أن يغير من خلالها، وما هي الآفاق التي توفرها له المؤسسات الحزبية.
وإذا لم يجد الجواب داخل الأحزاب، فمن الطبيعي أن يبحث عنه خارجها.
كما أن وظيفة الحزب لا ينبغي أن تختزل في الدفاع عن الحكومة عندما يكون في الأغلبية، أو مهاجمة الحكومة عندما يكون في المعارضة. السياسة أكبر من ذلك. الحزب مؤسسة لها تصور للمجتمع والدولة والاقتصاد والحريات والعلاقات الدولية، ولهذا فإن قيمة الحزب تظهر خصوصا عندما يكون قادرا على تقديم رؤيته حتى عندما لا تكون لديه سلطة تنفيذية.
إن المعارضة، في معناها الديمقراطي، ليست مجرد رفض لكل ما تقوم به الحكومة، كما أن الأغلبية ليست مجرد دفاع عن كل قرار حكومي. كلاهما يحتاج إلى رؤية ومبررات وحجج وبرامج.
ومن هنا فإن المجتمع يحتاج إلى أحزاب قادرة على الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة صناعة الفعل.
وهذا يقودنا إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية: البرامج الانتخابية.
فالمواطن لم يعد يحتاج إلى قائمة طويلة من الوعود، وإنما يريد أن يعرف كيف ستتحول هذه الوعود إلى سياسات عمومية. يريد أن يعرف الأولويات، ومصادر التمويل، والآجال، وآليات التقييم، وكيف سيحاسب الحزب إذا لم ينفذ ما تعهد به.
وهنا ينبغي أن تنتقل البرامج الانتخابية من كونها وثائق للتسويق السياسي إلى كونها تعاقدات سياسية قابلة للقياس والمساءلة.
فالبرنامج الذي لا يمكن قياس نتائجه يظل خطابا، والالتزام الذي لا تترتب عليه مسؤولية سياسية يتحول إلى وعد انتخابي عابر.
وهذا بالضبط ما يجعل إعادة الاعتبار للوساطة الحزبية ضرورة مؤسساتية، وليس مجرد رغبة في تحسين صورة الأحزاب.
فالدستور حين منح الأحزاب دورا في تأطير المواطنات والمواطنين والمشاركة في ممارسة السلطة، لم يمنحها امتيازا رمزيا، وإنما حملها وظيفة أساسية في بناء النظام الديمقراطي.
والحزب، بهذا المعنى، ليس مجرد وسيلة للوصول إلى البرلمان.
إنه مدرسة سياسية.
ومؤسسة للتكوين.
ومجال لإنتاج النخب.
ووسيط بين المجتمع والدولة.
ومنصة لصناعة البدائل.
وحين تضعف هذه الوظائف، فإن الخلل لا يصيب الأحزاب وحدها، وإنما يصيب الحياة الديمقراطية بأكملها.
لكن المسؤولية لا تقع على الأحزاب وحدها.
فالمجتمع نفسه مطالب بإعادة النظر في علاقته بالسياسة. لا يمكن أن نطالب الأحزاب بالتجديد ثم نختزل السياسة في الأشخاص والعلاقات والمصالح المحلية. ولا يمكن أن نطالب ببرامج قوية إذا كان النقاش الانتخابي ينحصر أحيانا في من يملك النفوذ الأكبر أو القدرة الأكبر على جمع الأصوات.
الديمقراطية تحتاج إلى مواطن فاعل كما تحتاج إلى حزب مسؤول.
ولهذا فإن إعادة بناء الثقة السياسية ليست مهمة حزبية فقط، وإنما هي مشروع مجتمعي ومؤسساتي.
نحن بحاجة إلى أن تصبح السياسة مرة أخرى مجالا محترما للنقاش والاختلاف، وأن يشعر المواطن بأن الانخراط فيها يمكن أن يكون وسيلة لتغيير الواقع، وليس مجرد طريق للوصول إلى منصب.
ونحن بحاجة أيضا إلى أن تتوقف الأحزاب عن النظر إلى المجتمع باعتباره خزان أصوات، وأن تنظر إليه باعتباره شريكا في إنتاج السياسات.
فالناخب ليس مجرد شخص نحتاج إلى إقناعه خلال أسابيع الحملة الانتخابية.
إنه المواطن الذي سيعيش نتائج القرارات التي ستتخذها الأحزاب بعد الانتخابات.
ومن هنا فإن العلاقة الصحيحة بين الحزب والمواطن يجب أن تقوم على قاعدة بسيطة: لا تتذكرني فقط عندما تحتاج إلى صوتي، بل شاركني عندما تصنع قرارك.
هذه هي الوساطة السياسية التي نحتاج إليها.
وهذا هو التجديد الحقيقي الذي يجب أن تخوضه الأحزاب المغربية، ليس فقط استعدادا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وإنما استعدادا للمستقبل السياسي للمغرب.
فالمغرب يحتاج إلى أحزاب قوية، نعم، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى أحزاب حية.
أحزاب تستمع قبل أن تتحدث، وتفكر قبل أن تعد، وتؤطر قبل أن تطلب الأصوات، وتحاسب نفسها قبل أن تطالب بمحاسبة الآخرين.
وفي النهاية، فإن الانتخابات لا ينبغي أن تكون اللحظة التي تتذكر فيها الأحزاب المواطن، وإنما اللحظة التي يقرر فيها المواطن ماذا فعلت الأحزاب طوال السنوات التي كان فيها صوته بعيدا عن صناديق الاقتراع.
فالسياسة لا تبدأ يوم الانتخابات.
السياسة تبدأ في اليوم التالي للانتخابات.
ومن لا يعرف كيف يحافظ على علاقة المواطن به بعد أن يحصل على صوته، قد يكتشف، عند فتح صناديق الاقتراع من جديد، أن المواطن لم ينس السنوات التي غاب فيها عنه.