من يقرر عليه أن يتحمل: درس ملكي في المسؤولية السياسية

0

افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية

هناك خطابات ملكية لا تنتهي صلاحيتها بانتهاء المناسبة التي القيت فيها، لانها لا تخاطب لحظة سياسية عابرة، وانما تضع اليد على اختلالات عميقة في ممارسة السلطة وفي علاقة المسؤول بالمواطن. ومن بين هذه الخطابات يبرز خطاب العرش لسنة 2017، الذي تضمن رسالة سياسية واضحة حول ظاهرة طالما اقلقت الحياة العامة، وهي ظاهرة المسؤول الذي يسارع الى الواجهة عندما تكون النتائج ايجابية، ثم يبحث عن مظلة اعلى عندما تتعثر الامور.

وقد قال الملك محمد السادس في هذا السياق: “فعندما تكون النتائج ايجابية، تتسابق الاحزاب والطبقة السياسية والمسؤولون، الى الواجهة، للاستفادة سياسيا واعلاميا، من المكاسب المحققة. اما عندما لا تسير الامور كما ينبغي، يتم الاختباء وراء القصر الملكي، وارجاع كل الامور اليه.”

هذه العبارة الملكية ليست مجرد ملاحظة سياسية عابرة، بل تحمل في جوهرها سؤالا دستوريا عميقا يتعلق بالمسؤولية. فمن يتحمل القرار عندما تكون النتائج سلبية؟ ومن يتحمل تبعات السياسات العمومية عندما لا تحقق اهدافها؟ وهل يجوز للمسؤول السياسي ان يقدم نفسه باعتباره صاحب الانجاز عندما تسير الامور على ما يرام، ثم يتحول فجأة الى مجرد منفذ عندما تظهر الازمات والاختلالات؟

في دولة المؤسسات، لا يمكن ان تكون المسؤولية انتقائية. لا يمكن للمسؤول ان يقترب من القرار عندما يمنحه رصيدا سياسيا، ثم يبتعد عنه عندما يصبح القرار مكلفا شعبيا او سياسيا. فالمسؤولية السياسية ليست امتيازا يحصل عليه المسؤول في لحظة النجاح، ثم يتخلى عنه في لحظة الفشل.

وهنا تحديدا تكمن قيمة الخطاب الملكي، لانه يضع حدا لهذا النوع من الالتباس الذي قد يجعل المواطن غير قادر على معرفة من يقرر ومن ينفذ ومن يحاسب.

ان جوهر النظام الدستوري الحديث يقوم على وضوح الاختصاصات وعلى ترتيب المسؤوليات. فالحكومة ليست مجرد جهاز لتنفيذ التعليمات، والوزير ليس مجرد موظف اداري، والبرلمان ليس مجرد فضاء للتصويت، والانتخابات ليست مجرد محطة لتوزيع المقاعد. كل هذه المؤسسات تؤدي وظائف محددة، وتحمل معها مسؤوليات محددة.

وعندما تتخذ الحكومة قرارا في اطار اختصاصاتها، فهي مطالبة بتحمل مسؤوليته السياسية، سواء كانت نتائجه ايجابية او سلبية. وعندما تضع برنامجا حكوميا وتطلب ثقة البرلمان على اساسه، فهي لا تطلب تفويضا للنجاح فقط، وانما تقبل ضمنيا مسؤولية التقييم والمساءلة.

وهذا هو المعنى الحقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

المحاسبة لا تعني التشهير بالمسؤول، ولا تعني تصفية الحسابات السياسية، ولا تعني البحث عن كبش فداء عند كل ازمة. المحاسبة تعني ببساطة ان يعرف المواطن من يتحمل مسؤولية القرار، وان تكون هناك مؤسسات قادرة على مساءلة من اخطأ، وان يتحمل صاحب الاختصاص تبعات ما اتخذه من قرارات.

ولذلك فان الاختباء وراء القصر الملكي ليس فقط مشكلة سياسية، بل هو ايضا مشكلة في فهم المسؤولية الدستورية.

فالملكية في النظام السياسي المغربي لها اختصاصاتها ومكانتها الدستورية والوطنية، والحكومة لها اختصاصاتها، والبرلمان له ادواره، والسلطات العمومية لها مسؤولياتها. وكلما اختلطت هذه المستويات امام المواطن، اصبحت المساءلة اكثر صعوبة، واصبح من السهل على بعض المسؤولين نقل المسؤولية الى جهة اخرى عندما لا تعجبهم نتائج قراراتهم.

والاخطر من ذلك ان هذا السلوك يمكن ان يضر بصورة المؤسسات نفسها.

فعندما يربط المسؤول كل نجاح بتوجيهات المؤسسة الملكية، ثم يربط كل اخفاق بتوجيهات المؤسسة نفسها، فانه لا يعفي نفسه فقط من المسؤولية، بل يخلق لدى المواطن انطباعا خطيرا مفاده ان الحكومة لا تملك القرار، وان المؤسسات المنتخبة لا تملك القدرة على الفعل.

وهذا في حد ذاته يضرب جوهر العمل السياسي.

لان المواطن عندما يذهب الى صناديق الاقتراع، يفترض انه يمنح صوته لمن سيشارك في تدبير الشان العام، لا لمن سيبحث لاحقا عن جهة اخرى لتحميلها نتائج اختياراته.

ومن هنا فان السؤال الذي ينبغي ان يطرح اليوم ليس: من يقف خلف الحكومة؟ بل: هل تتحمل الحكومة مسؤوليتها كاملة عندما تتخذ القرار؟

اذا كانت الحكومة تعتبر نفسها صاحبة الانجاز عندما ترتفع المؤشرات الاقتصادية، فعليها ان تكون صاحبة المسؤولية ايضا عندما ترتفع كلفة المعيشة. واذا كانت تعتبر نفسها صاحبة الفضل في نجاح مشروع معين، فعليها ان تشرح للمواطن لماذا تعثر مشروع اخر. واذا كانت تتحدث باسم برنامج حكومي وتطلب ثقة البرلمان، فعليها ان تكون مستعدة للمساءلة حول مدى تنفيذ ذلك البرنامج.

هذه ليست معارضة للحكومة، بل هي جوهر الديمقراطية التمثيلية.

بل ان الحكومة القوية ليست الحكومة التي لا تنتقد، وانما الحكومة التي تستطيع ان تواجه النقد بالحجة والارقام والنتائج، وان تقول للمواطن بكل وضوح: هذا القرار اتخذناه، وهذه مسؤوليتنا فيه، وهذه النتائج التي حققناها، وهنا اخطأنا، وهنا سنصحح المسار.

اما ان يتحول الخطاب السياسي الى عملية توزيع للمسؤوليات بحسب النتائج، بحيث تنسب النجاحات الى الحكومة والفاعلين السياسيين، بينما تنسب الاخفاقات الى “الظروف” او “التوجيهات” او “جهات اخرى”، فذلك يعني اننا امام ازمة في ثقافة المسؤولية قبل ان نكون امام ازمة في السياسات العمومية.

وما يجعل هذه المسالة اكثر اهمية هو ان المواطن المغربي اصبح اكثر وعيا وقدرة على المقارنة. لم يعد المواطن يكتفي بالخطاب الرسمي، بل يقارن بين الوعود والنتائج، وبين ما قيل في الحملات الانتخابية وما تحقق بعدها، وبين الخطاب السياسي والواقع الاجتماعي الذي يعيشه يوميا.

ولهذا فان سياسة الهروب من المسؤولية لم تعد قابلة للاستمرار.

المواطن يريد ان يعرف من المسؤول.

يريد ان يعرف من قرر.

يريد ان يعرف لماذا اتخذ القرار.

ويريد ان يعرف من سيحاسب عندما لا تحقق السياسات اهدافها.

وهذه الاسئلة ليست تمردا على المؤسسات، بل هي دليل على ان المواطن يريد ان يفهم كيف تشتغل مؤسسات دولته.

ولعل اهم ما في الخطاب الملكي المذكور انه لم يكتف بتشخيص الظاهرة، بل ربطها مباشرة بازمة الثقة في السياسة. فقد حذر الخطاب من ان ممارسات بعض المسؤولين المنتخبين تدفع المواطنين، وخاصة الشباب، الى العزوف عن الانخراط في العمل السياسي والمشاركة في الانتخابات، بسبب فقدان الثقة في الطبقة السياسية.

وهنا نصل الى جوهر المشكلة.

المواطن لا يفقد الثقة في السياسة لانها تختلف، ولا لان الاحزاب تتنافس، ولا لان الحكومات ترتكب اخطاء. السياسة بطبيعتها تقوم على الاختلاف والاجتهاد والتنافس.

لكن المواطن يفقد الثقة عندما يشعر ان المسؤول يريد السلطة دون مسؤولية، والقرار دون محاسبة، والنجاح دون شراكة، والفشل دون اعتراف.

هذه هي المشكلة الحقيقية.

ولذلك فان اعادة الاعتبار للعمل السياسي تبدأ من اعادة الاعتبار للمسؤولية.

المسؤولية ليست مجرد كلمة في الدستور.

المسؤولية ممارسة يومية.

هي ان يخرج الوزير الى المواطن ليشرح له.

هي ان يدافع المسؤول عن اختياراته.

هي ان يعترف بالاخفاق عندما يقع.

هي ان يقدم البدائل عندما يفشل قرار سابق.

وهي قبل كل شيء ان يتوقف المسؤول عن البحث عن شماعة سياسية عندما تصبح النتائج غير مريحة.

لقد كان الخطاب الملكي واضحا في هذا المجال، بل ان الملك تساءل في الخطاب نفسه عن جدوى وجود المؤسسات واجراء الانتخابات وتعيين الحكومة والوزراء وباقي المسؤولين اذا كانوا في واد والشعب وهمومه في واد آخر.

وهذا السؤال ما زال يحتفظ بقوته السياسية الى اليوم.

فالمؤسسات لا توجد لكي تحمي المسؤول من المواطن، وانما لكي تحمي المواطن من غياب المسؤولية.

والانتخابات لا تمنح المسؤول حصانة سياسية، وانما تمنحه تفويضا مؤقتا مشروطا بالعمل والمساءلة.

والحكومة لا تستمد قوتها من قدرتها على الاختباء وراء مؤسسة اخرى، وانما من قدرتها على تحمل مسؤوليتها امام البرلمان والمواطنين.

ومن منظور القانون الدستوري، كلما كانت المسؤوليات واضحة، كانت المحاسبة ممكنة. وكلما اختلطت المسؤوليات، اصبح من الصعب تحديد المسؤول عن القرار، وعندما يستحيل تحديد المسؤول، تصبح المحاسبة بدورها شبه مستحيلة.

وهنا يكمن الخطر.

لان الدولة القوية ليست الدولة التي تختفي فيها المسؤوليات، وانما الدولة التي يعرف فيها كل مسؤول حدود اختصاصه وحدود مسؤوليته.

والحكومة القوية ليست التي تقول للمواطن: لسنا المسؤولين.

بل التي تقول له: نعم، نحن مسؤولون، وسنشرح، وسنحاسب، وسنصحح.

اما المؤسسة الملكية، فهي ليست في حاجة الى ان تكون شماعة تعلق عليها اخطاء المسؤولين، كما انها ليست في حاجة الى ان تكون مجرد رصيد سياسي يستعمل عند الحاجة. قوتها ومكانتها اكبر من ذلك بكثير.

ولهذا فان حماية منطق المؤسسات لا تكون بخلط المسؤوليات، وانما بتوضيحها.

ان احترام المؤسسة الملكية يقتضي ايضا احترام منطقها الدستوري، واحترام الحكومة يقتضي مطالبتها بتحمل مسؤوليتها، واحترام المواطن يقتضي ان نقدم له اجابات واضحة بدل الاحتماء وراء الغموض.

لقد قال الملك محمد السادس قبل سنوات: “كفى، واتقوا الله في وطنكم… اما ان تقوموا بمهامكم كاملة، واما ان تنسحبوا.”

وهي عبارة تختصر فلسفة كاملة في المسؤولية السياسية.

لا احد مطالب بان يكون معصوما من الخطا.

لكن كل مسؤول مطالب بان يكون شجاعا في تحمل مسؤوليته.

فالنجاح لا يحتاج الى شجاعة كبيرة في نسبته الى الذات، لكن الفشل يحتاج الى شجاعة الاعتراف به.

وهنا تحديدا يقاس نضج السياسي.

وفي النهاية، لا نحتاج الى مسؤولين يبحثون عن مؤسسة يختبئون خلفها عندما تتعقد الامور، وانما نحتاج الى مسؤولين يقفون امام المواطن ويقولون له بكل وضوح:

هذا قرارنا، وهذه مسؤوليتنا، وهذه حصيلتنا، وهذا ما سنفعله لتصحيح الاخطاء.

فحين تكون المسؤولية واضحة، تصبح المحاسبة ممكنة.

وحين تصبح المحاسبة ممكنة، تستعيد السياسة معناها.

وحين تستعيد السياسة معناها، تستعيد المؤسسات ثقة المواطن.

اما الاختباء وراء القصر، كما حذر الخطاب الملكي، فلا يحل المشكلة، بل يؤجلها.

لان الدولة لا تقوى بغياب المسؤولية، وانما تقوى حين يعرف كل مسؤول ان السلطة تكليف، وان القرار مسؤولية، وان النجاح والفشل كلاهما له صاحب.