من الميدان تبدأ السياسة: حين يتحول التواصل الى تعاقد والتأطير الى التزام
افتتاحية الصباح
بقلم عبد الكريم ناصري
باحث في العلوم السياسية والقانون الدستوري والدبلوماسية
في العمل السياسي، هناك فرق كبير بين من يكتفي بالحضور في المناسبات، ومن يختار ان يكون قريبا من الناس، يستمع اليهم، يناقش قضاياهم، ويتحمل مسؤولية تقديم الاجوبة والبدائل. فالحزب السياسي لا تقاس قوته فقط بعدد مناضليه او بحجم حضوره الانتخابي، وانما بقدرته على التواصل والتاطير والانصات وتحويل انتظارات المجتمع الى مواقف وبرامج والتزامات قابلة للدفاع والتنفيذ.
ومن هذا المنطلق، كانت الجولة التواصلية التي رافقت فيها الاخ الامين العام لحزب الحركة الشعبية، السيد محمد اوزين، تجربة تحمل بالنسبة لي اكثر من مجرد دلالة تنظيمية. فقد كانت فرصة للوقوف عن قرب على معنى مختلف للعمل الحزبي، حيث يصبح الميدان فضاء حقيقيا للانصات والنقاش والتفاعل، وليس مجرد محطة عابرة ضمن رزنامة انتخابية.
من فاس، العاصمة العلمية للمملكة، الى مراكش، ثم ورزازات وتنغير والرشيدية وارفوذ، كانت المحطات متعددة، لكن القاسم المشترك بينها كان واضحا: حضور المناضلات والمناضلين، وتعدد القضايا المطروحة، وحرص القيادة الحزبية على الاستماع والتفاعل.
ما شدني في هذه الجولة هو ان التواصل لم يكن في اتجاه واحد. لم يكن الامر يتعلق بخطاب يلقيه المسؤول امام الحاضرين ثم تنتهي المهمة، بل كان هناك نقاش مباشر حول قضايا الحزب وانتظارات مناضليه والاسئلة المرتبطة بالمرحلة السياسية المقبلة. وهذا النوع من التواصل هو الذي يعيد للعمل الحزبي معناه الحقيقي.
فالحزب الذي يريد ان يكون فاعلا في المجتمع لا يمكنه ان يكتفي بالبيانات والمواقف المركزية، بل عليه ان يكون موجودا في الميدان، حيث توجد الاسئلة الحقيقية وحيث تظهر تفاصيل الواقع التي قد لا تصل دائما الى مكاتب المؤسسات والقيادات.
وهنا بالضبط يظهر معنى التاطير السياسي.
التاطير ليس مجرد حشد تنظيمي، وليس مجرد تعبئة انتخابية، كما انه لا يختزل في توجيه المناضلين نحو الاستحقاقات. التاطير هو ان تساعد المواطن والمناضل على فهم المرحلة، وان تفتح امامه فضاء للنقاش، وان تمنحه القدرة على التعبير عن انتظاراته، وان تحول هذه الانتظارات الى تصورات ومقترحات وسياسات.
ومن هذه الزاوية، فان ما يقوم به الاخ محمد اوزين في جولاته التواصلية يمثل نموذجا يستحق التوقف عنده، لانه يعيد وضع التواصل في مكانه الطبيعي داخل الممارسة السياسية.
فالسياسة لا تبنى عن بعد.
والتنظيم لا يقوى بالقرارات فقط.
والثقة لا تصنعها الشعارات.
كل ذلك يبنى بالحضور، وبالانصات، وبالقدرة على الاقناع، وبالوفاء للالتزامات.
وقد كان تقديم التعاقد الحركي خلال هذه المحطات واحدا من اهم عناصر هذه الدينامية، باعتباره محاولة للانتقال من الخطاب العام الى ارضية اكثر وضوحا، تقوم على محاور واجراءات عملية يمكن ان تشكل اساسا للعمل والترافع خلال المرحلة المقبلة.
وهذا في حد ذاته تطور مهم في طريقة التفكير الحزبي، لان المواطن والمناضل لم يعد يبحث فقط عن الشعارات، بل يريد ان يعرف ماذا سيقترح الحزب، وكيف سيدافع عن مقترحاته، وما هي الاولويات التي يضعها في مقدمة اهتماماته.
ان التعاقد السياسي الحقيقي يفترض ان يكون اكثر من وثيقة انتخابية. انه التزام اخلاقي وسياسي بين الحزب ومناضليه، وبين الحزب والمجتمع، يقوم على وضوح الرؤية وعلى امكانية قياس النتائج وعلى تحمل المسؤولية.
وهنا تتضح قيمة التواصل الميداني، لان البرنامج لا يمكن ان يولد فقط داخل مكاتب الخبراء واللجان المركزية. فالبرنامج الجيد يحتاج ايضا الى معرفة دقيقة بالواقع، وهذه المعرفة لا توفرها التقارير وحدها، بل يوفرها اللقاء المباشر مع المواطنين والمناضلين.
في فاس، كانت هناك اسئلة مرتبطة بخصوصية المدينة ومكانتها.
وفي مراكش، برزت انتظارات مرتبطة بجهة لها وزن اقتصادي وسياحي واجتماعي كبير.
وفي ورزازات وتنغير، تظهر قضايا المناطق الجبلية والواحات والمجالات الترابية التي تحتاج الى سياسات اكثر عدالة وفعالية.
وفي الرشيدية وارفوذ، تفرض خصوصية المجال والموارد والساكنة تحديات من نوع اخر.
وهكذا يصبح الميدان مدرسة سياسية حقيقية، لانه يكشف للفاعل السياسي ما لا يمكن ان تكشفه المكاتب وحدها.
ولعل اهم درس خرجت به من هذه التجربة هو ان العمل الحزبي لا يمكن ان يستعيد ثقة المواطن الا اذا استعاد اولا قدرته على الاستماع اليه.
فالمواطن لا يريد دائما من يتحدث باسمه.
في كثير من الاحيان، يريد من يسمعه اولا.
وهذا ما يجعل التواصل السياسي الناجح قائما على علاقة متبادلة، لا على خطاب احادي الاتجاه.
فالسياسي الذي يستمع يتعلم، والحزب الذي ينصت يطور مواقفه، والتنظيم الذي يتفاعل مع قواعده يصبح اكثر قدرة على مواجهة التحولات.
وفي زمن اصبحت فيه السياسة اكثر سرعة وتعقيدا، واصبح المواطن يمتلك وسائل متعددة للتعبير عن موقفه، لم يعد ممكنا للحزب ان يعيش بمنطق التنظيم المغلق. الحزب المعاصر مطالب بان يكون منفتحا، حاضرا، متواصلا وقادرا على تجديد ادواته.
وهنا لا بد من التأكيد على ان قوة الاحزاب لا تقاس فقط بعدد المنخرطين، وانما بمدى قدرتها على صناعة مواطن سياسي واع، ومناضل قادر على النقاش، وقيادات تستمع قبل ان تقرر.
ومن هذه الزاوية، فان التاطير الذي شاهدناه خلال هذه الجولة يمثل نموذجا لما ينبغي ان يكون عليه العمل الحزبي في المرحلة المقبلة.
اننا نحتاج الى حزب لا يظهر فقط عندما تقترب الانتخابات، بل يكون حاضرا طوال الوقت.
نحتاج الى قيادة لا تكتفي باصدار التوجيهات، بل تنزل الى الميدان.
نحتاج الى مناضلين لا يكتفون بالتصفيق، بل يشاركون في النقاش وصناعة الموقف.
ونحتاج الى تعاقدات سياسية لا تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية، بل تبدأ مسؤوليتها الحقيقية بعد اعلان النتائج.
لهذا فان الجولة التواصلية التي امتدت من فاس الى مراكش وورزازات وتنغير والرشيدية وارفوذ، لا ينبغي النظر اليها فقط باعتبارها نشاطا حزبيا، بل باعتبارها تمرينا عمليا على استعادة معنى التواصل داخل العمل السياسي.
لقد علمتني هذه التجربة ان السياسة الحقيقية تبدأ عندما نغادر المكاتب ونتوجه الى الميدان.
هناك، حيث الاسئلة المباشرة.
وهناك، حيث المواطن والمناضل لا يتحدثان بلغة البيانات، بل بلغة الحياة اليومية.
وهناك ايضا يمكن للحزب ان يعرف حقيقة قوته.
فالقوة التنظيمية ليست فقط في عدد الحاضرين، وانما في قدرتهم على التفاعل والمناقشة والانخراط.
والقوة السياسية ليست في ارتفاع سقف الخطاب، وانما في القدرة على تحويل الخطاب الى عمل.
اما قوة القيادة، فلا تقاس فقط بقدرتها على اتخاذ القرار، وانما كذلك بقدرتها على الاستماع الى من سيحملون معها مسؤولية تنفيذ ذلك القرار.
ومن هنا، فان ما قام به الاخ الامين العام محمد اوزين خلال هذه الجولة يقدم نموذجا مختلفا في الممارسة الحزبية، نموذجا يقوم على القرب والتواصل والانصات والتاطير، وعلى محاولة بناء علاقة اكثر وضوحا بين القيادة والقواعد.
واذا كان التعاقد الحركي يقدم رؤية تقوم على محاور واجراءات عملية، فان القيمة الحقيقية لهذا التعاقد ستظهر في مدى القدرة على الدفاع عنه، وتفعيله، وتحويله الى التزامات سياسية ملموسة.
فالتعاقد لا يقاس بعدد صفحاته، وانما بما يتركه من اثر في الواقع.
ولا يقاس بعدد الشعارات التي ترفع حوله، وانما بمدى التزام من قدموه به.
وفي تقديري، فان هذا هو التحدي الحقيقي امام الاحزاب المغربية اليوم: كيف تنتقل من مرحلة التواصل الموسمي الى التواصل المستمر، ومن التعبئة الانتخابية الى التاطير السياسي، ومن الخطاب العام الى التعاقد الواضح، ومن الوعود الى الالتزامات.
ان السياسة التي تستعيد ثقة الناس هي السياسة التي تحترم ذكاءهم.
والمناضل الذي يشعر ان صوته مسموع يصبح اكثر استعدادا للمشاركة.
والمواطن الذي يرى ان الحزب يقترب منه قبل الانتخابات كما يقترب منه خلالها وبعدها، يصبح اكثر استعدادا لمنح السياسة فرصة جديدة.
وهذا بالضبط ما تحتاجه الحياة الحزبية اليوم: اعادة بناء الثقة من الاسفل، من الميدان، من التواصل، من الاستماع، ومن الحضور الدائم.
لقد كانت هذه الجولة بالنسبة لي تجربة شخصية غنية، ليس فقط لانها اتاحت لي مرافقة الاخ الامين العام، ولكن لانها جعلتني ارى عن قرب كيف يمكن للتواصل السياسي ان يتحول الى مدرسة في التنظيم والتاطير.
من فاس الى مراكش، ومن ورزازات وتنغير الى الرشيدية وارفوذ، تعددت المدن والمناطق والانتظارات، لكن الرسالة بقيت واحدة: السياسة لا تعيش في المكاتب، بل تعيش بين الناس.
واذا كان من درس اساسي يمكن الاحتفاظ به من هذه الجولة، فهو ان الحزب الذي يريد ان يكون له مستقبل لا ينبغي ان يسال فقط: كم لدينا من الاصوات؟
بل عليه ان يسال ايضا: كم لدينا من الافكار؟ كم لدينا من المناضلين القادرين على التاطير؟ كم نستمع الى المواطنين؟ وكم نلتزم بما نقوله؟
لان الانتخابات قد تمنح الحزب مقاعد، لكن التواصل والتاطير والوفاء هي التي تمنحه الشرعية السياسية والاستمرارية.
وفي النهاية، فان ما قام به الاخ محمد اوزين خلال هذه الجولة لا ينبغي ان ينظر اليه فقط من زاوية التعبئة الحزبية، بل من زاوية اعادة الاعتبار لفكرة اساسية في العمل السياسي: ان القيادة الحقيقية لا تعني ان يتحدث القائد دائما، بل ان يعرف متى يصمت ليستمع، ومتى يتحدث ليقنع، ومتى يلتزم ليعمل.
ومن هنا يمكن القول ان التعاقد الحركي لا ينبغي ان يكون مجرد عنوان لمرحلة انتخابية، بل بداية لمسار سياسي جديد يقوم على التواصل المستمر، والتاطير المسؤول، والالتزام الواضح، والعمل الميداني.
فالاحزاب لا تبنى في موسم الانتخابات فقط.
الاحزاب تبنى كل يوم، وكلما كانت اقرب الى الناس، كانت اقرب الى النجاح.